ليبيا

“لا دراسة.. لا دوام”: المعلمون يحاصرون مقر الدبيبة في طرابلس.. وكرامة المعلم خط أحمر

المعلمون يعلنون الإضراب العام في جميع مدارس ليبيا ويرفضون وعود حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها

ليبيا 24

معلمو ليبيا يرفعون راية العصيان المدني: “لا دراسة.. لا دوام” حتى تحقيق الحقوق كاملة

في مشهد غير مسبوق يعكس حجم الاحتقان الشعبي المتراكم، يواصل آلاف المعلمين والمعلمات في ليبيا اعتصامهم المفتوح أمام مقر رئاسة وزراء حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، للأسبوع الرابع على التوالي، في تصعيد متدرج بدأ باعتصام مفتوح مع انطلاق العام الدراسي في الثالث عشر من سبتمبر، وتحول إلى إضراب عام شمل جميع مدارس البلاد اعتبارًا من السابع والعشرين من الشهر ذاته.

مطالب مشروعة.. ووعود “حبيسة الأدراج”

ويتمسك المعلمون بمطالب واضحة رفعتها النقابة العامة، تتلخص في توحيد جدول المرتبات بما يحقق العدالة والمساواة، وصرف الفروقات المالية المستحقة بموجب القانون رقم “4”، وتوفير التأمين الصحي الشامل للمعلم وأسرته، وتفعيل القوانين والتشريعات الضامنة لحقوق المعلم وكرامته، إلى جانب صرف علاوة الحصة ومعالجة أوضاع معلمي العقود.

وتؤكد النقابة العامة أن مطالبها لم تعد قابلة للتأجيل، وأن المعلمين وصلوا إلى “مرحلة لم يعد فيها مقبولًا الاكتفاء بالوعود أو القرارات التي تبقى حبيسة الأدراج دون تنفيذ”، مشددة على أن رفع الاعتصام لن يكون إلا بصدور قرارات رسمية وبدء التنفيذ الفعلي، “وليس بالاكتفاء بالوعود”.

“المعلم لا يُهان”: صرخة الكرامة في وجه التجويع

وفي كلمة له من ساحة الاعتصام في طرابلس، أكد النقيب العام لمعلمي ليبيا، رمضان حموم، أن “لن تُفتح أي مدرسة في ليبيا إلا بعد تنفيذ حقوقنا كاملة، في المرتبات والمعاشات”، كاشفًا عن مفارقة صارخة بقوله: “عندما نحصل على راتب أسبوع يقال لنا والله أنت درجتك ممتازة، والقوات المسلحة 18 ألف و12 ألف”.

وتتناقض هذه المعاناة بشكل صارخ مع ما توفر لقطاعات أخرى، إذ اتخذت الاحتجاجات بعدًا أوسع بعد الزيادات التي حصل عليها منتسبو المؤسسة العسكرية منذ يوليو الماضي، الأمر الذي اعتبرته قطاعات حكومية أخرى “استفزازًا” وطالبت بإجراءات مماثلة.

إضراب يتمدد جغرافيًا.. وزوارة ترفع سقف المواجهة

وتمدد الحراك الاحتجاجي ليشمل بلديات الساحل الغربي، حيث أعلنت نقابات معلمي العجيلات والجديدة والجميل والمنشية وزوارة ورقدالين وزلطن، في بيان مشترك، بدء اعتصام مفتوح لحين تحقيق مطالب القطاع التعليمي، مهددة بخطوات تصعيدية وصولًا إلى الإضراب العام في حال عدم الاستجابة.

وفي بيان لها، أكدت نقابة معلمي بلدي زوارة الكبرى استمرارها في الإضراب التام وتمسكها الكامل بجميع المطالب والحقوق المشروعة للمعلمين، داعية جميع المعلمين والمعلمات والعاملين بالقطاع إلى “الالتزام الكامل بالإضراب وعدم التراجع حتى يجري التعامل بجدية مع حقوقنا والاستجابة لمطالبنا”.

وشدد البيان على أن “حقوق المعلمين ليست منة من أحد، ونحن لا نتوسل ولا نتسول، وكرامة المعلم خط أحمر”، مضيفًا: “لقد انتهى صمتنا، ومطالبنا واضحة، ووحدتنا مصدر قوتنا”.

حكومة “منتهية الولاية”.. ورهان على تعطيل الأجيال

في المقابل، اكتفت حكومة الدبيبة، التي تعتبر “منتهية الولاية” وفق القوانين المنظمة للمرحلة الانتقالية، بإصدار تعميمات إدارية ووعود فضفاضة.

فقد وجّه وزير التربية والتعليم في حكومة الوحدة “منتهية الولاية” “، محمد القريو، كتابًا عاجلًا إلى مراقبي التربية والتعليم بالبلديات، طالبهم فيه بـ”الشروع الفوري” في فتح المدارس واستقبال التلاميذ، في حين يرى المعلمون أن هذه القرارات الأحادية لا يمكن أن تُنهي الحراك.

وقد كشف نقيب معلمي طرابلس الكبرى، أشرف أبوراوي، عن استعداد النقابة لحل مرحلي مقابل تنفيذ مطالب أساسية، مؤكدًا أن الإضراب الحالي مفتوح ولا يرتبط بسقف زمني محدد، إلا أن “أبناء الأسر محدودة الدخل هم بالفعل الأكثر تضررًا من توقف الدراسة، لكن هذا الضرر لا ينبغي أن يُحمّل للمعلم وحده”، مشيرًا إلى أن تدهور أوضاع المعلمين ينعكس على المدرسة العامة نفسها وقد يدفع الكفاءات إلى مغادرة المهنة.

اقتصاد مأزوم.. وشعب يدفع الثمن

ويأتي هذا الحراك في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد تعيشها ليبيا، حيث تواجه حكومة الدبيبة ضغوطًا اجتماعية متصاعدة، مع اتساع دائرة الاحتجاجات والاعتصامات المطالبة بزيادة المرتبات، لتطال قطاعات حيوية وشرائح واسعة من المجتمع، من بينها الأطباء والعاملون في قطاع الصحة، وحتى المتقاعدون الذين ينظمون وقفات احتجاجية للمطالبة بتسوية مستحقاتهم وزيادة معاشاتهم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

ويؤكد مراقبون للشأن الاقتصادي والمالي أن قيام بعض المؤسسات الحكومية برفع مرتبات موظفيها بزيادات كبيرة شكل “استفزازًا” لبقية العاملين في القطاع العام، محذرين من توسع الإضرابات والاعتصامات خلال الفترة القادمة لتطال قطاعات أخرى.

وفي خضم هذا المشهد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيبقى مستقبل أطفال ليبيا رهينة لوعود حكومة عجزت عن أبسط حقوق موظفيها؟ الأغلبية الصامتة من أبناء الأسر محدودة الدخل، الذين لا يملكون القدرة على اللجوء إلى المدارس الخاصة أو تحمل تكاليف الدروس الخصوصية، هم من يدفعون الثمن الأكبر، في مشهد يتكرر فيه سؤال أحد المدونين الليبيين: “ما مصير أطفال الأثرياء الذين يعودون إلى مقاعد المدارس الخاصة، وأطفال الفقراء، الأغلبية الصامتة، الذين يُحرمون من التعليم؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى