ليبيا

انهيار القدرة الشرائية وفساد الاعتمادات: حكومة منتهية الولاية تترك المواطن الليبي يواجه مصيره وحيداً

اقتصاد ليبيا بين فوضى الاعتمادات وانهيار القوة الشرائية للمواطن

ليبيا 24

حكومة منتهية الولاية تفاقم الأزمة وتتجاهل معاناة المواطن الليبي

تشخيص خاطئ لأزمة متشابكة

في وقت تتواصل فيه المعاناة اليومية للمواطن الليبي تحت وطأة الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية للدينار الليبي، يصر البعض على اختزال الأزمة الاقتصادية الليبية في ملفي المصرف المركزي والاعتمادات، متجاهلين الأسباب العميقة والبنوية التي أوصلت البلاد إلى هذا الدرك.

هذا ما يؤكده أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور علي الشريف، الذي يرى أن التركيز على طرف واحد وتجاهل بقية الأطراف لا يقدم تشخيصاً حقيقياً للمشكلة، بل يكشف عن أغراض خفية في النفس.

ويشير الشريف إلى أن الطلب المتزايد على الاعتمادات لم يعد يهدف إلى التجارة الحقيقية، بل أصبح جزء منه هدفه التربح السريع، مما فاقم الاختلالات في الاقتصاد الليبي. ويدعو إلى نقد الجميع دون استثناء، لأن المسؤولية مشتركة ومتوزعة بين كل الأطراف.

القطاع الخاص: من شريك في الحل إلى جزء من المشكلة

يكشف التحليل الاقتصادي أن القطاع الخاص في ليبيا لم يعد جزءاً من الحل، بل أصبح جزءاً من المشكلة. فبدلاً من أن يكون قطاعاً إنتاجياً مستقلاً يسهم في تنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل وتوليد مصادر مستدامة للدخل والنقد الأجنبي، أصبح يعتمد بشكل كبير على ما تجود به المصارف من اعتمادات، وما يطرحه القطاع العام من عطاءات.

هذا الاعتماد المتبادل بين القطاعين العام والخاص خلق اقتصاداً ريعياً هشاً، غير قادر على الصمود أمام الصدمات.

شلل مؤسسي وتراجع الخدمات الأساسية

لم يعد تأخر الحل السياسي الشامل في ليبيا مجرد أزمة سياسية، بل تحول إلى عامل رئيسي في تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. فانقسام مؤسسات الدولة خلق بيئة خصبة للفساد وهدر المال العام في ظل غياب الرقابة والمساءلة.

ويبرز هنا مفارقة صارخة: الجهة المعنية بإعداد الجدول الموحد للمرتبات هي نفسها الآن في حرب داخلية، في إشارة إلى مجلس النواب المنقسم على نفسه.

وتشهد القطاعات الحيوية تدهوراً متسارعاً: التعليم في حالة شلل تام، والصحة في طريق مسدود، والخدمات الأساسية تتراجع يوماً بعد يوم.

وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع ليبيا في العديد من المؤشرات الدولية ذات الصلة بالتنمية والخدمات وجودة الحياة.

أمنياً واجتماعياً: ضغوط متزايدة

على الصعيد الأمني والاجتماعي، أدى تنامي الهجرة غير الشرعية إلى ضغوط متزايدة على الدولة ومؤسساتها، وأصبح التعامل معها مرتبطاً ليس فقط بالجانب الأمني، وإنما أيضاً بالتغيرات الديموغرافية المحتملة، وما يثار بشأن وجود حالات تزوير أو خلل في بعض بيانات وسجلات السجل المدني. هذا الوضع يستدعي معالجة مؤسسية دقيقة وحازمة.

المواطن: خط الدفاع الأخير

لكن الأخطر من كل ذلك هو انعكاس هذه الاختلالات على مستوى معيشة المواطن وقوته الشرائية، مع الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، ومن بينها الدقيق ورغيف الخبز، الذي يمثل بالنسبة للمواطن خط الدفاع الأخير عن قدرته على تأمين احتياجاته الأساسية.

توحيد المرتبات: شرط لازم غير كافٍ

في هذا السياق، يؤكد الدكتور علي الشريف أن توحيد المرتبات شرط لازم، لكنه وحده لا يكفي لتحسين مستوى معيشة المواطن.

فالشرط الكافي هو إعادة النظر في القوة الشرائية للمرتبات وزيادة الدخل الحقيقي للمواطن، وليس إجراء زيادات نقدية شكلية لا تعوض ما فقده الدينار من قيمته.

ويضرب مثلاً بالأرقام: المواطن الذي كان يتقاضى 1000 دينار وكان دخله يعادل تقريباً 750 دولاراً وفق سعر الصرف السابق، فإن الحفاظ على القوة الشرائية نفسها بعد وصول سعر الصرف إلى نحو 6.4 دينار للدولار يتطلب دخلاً يقارب 4800 دينار، أي نحو 5000 دينار تقريباً.

وهنا تكمن المعادلة الحقيقية التي تتجاهلها حكومة منتهية الولاية.

المسؤولية الوطنية: حل جذري أم مزيد من التسويف؟

المسؤولية الوطنية تفرض الوصول إلى حل جذري وسريع، يكون هدفه الأول مصلحة الشعب الليبي وليس خدمة أطراف أو مصالح بعينها.

 ويتطلب ذلك إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس موحدة، واختيار القيادات والكفاءات وفق معايير الكفاءة والقدرة والنزاهة، بعيداً عن الولاءات والمحسوبية، بالتوازي مع بناء منظومة رقابة ومساءلة صارمة وفعالة.

كما يتطلب الأمر حكومة رشيدة قادرة على إدارة الموارد العامة بكفاءة، وضبط الإنفاق، وحماية الإيرادات، ومكافحة الفساد والتهريب، وتوجيه الموارد نحو القطاعات التي تمس حياة المواطن بصورة مباشرة، بما يؤدي إلى تحسين الوضع الاقتصادي ورفع مستويات الدخول وتحسين الخدمات العامة.

خاتمة: المواطن هو الهدف

فالمواطن هو الهدف الحقيقي لأي سياسة اقتصادية، ولا يمكن قياس نجاح أي إصلاح اقتصادي بحجم الإنفاق أو عدد القرارات المتخذة، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطن، من خلال تحسين دخله الحقيقي، ورفع قدرته الشرائية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوفير بيئة اقتصادية وأمنية أكثر استقراراً.

أما ما تقدمه حكومة منتهية الولاية فليس سوى مسكنات لا تعالج الجرح العميق، في وقت يواصل فيه المواطن الليبي دفع فاتورة الصراع والفساد من لحمه ودمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى