ليبيا

تحذير اقتصادي من تكرار سيناريو «الشرارة–الزاوية»: ليبيا تحتاج نظاماً لحماية إيراداتها قبل الصدمات لا بعدها

«عصر» يكشف مفارقة الاقتصاد الليبي: لا نعاني نقص الموارد بل نجهل أين يذهب المال الموجود

ليبيا 24

«عصر» يرسم خارطة إنقاذ الاقتصاد الليبي: إصلاح الإنفاق قبل البحث عن الإيرادات

في وقت تتواصل فيه معاناة المواطن الليبي من أزمة سيولة خانقة وارتفاع جنوني في أسعار السلع والخدمات، خرج وزير الصناعة والاقتصاد الأسبق الأستاذ منير عصر بمقاربة اقتصادية شاملة، لا تكتفي بتشخيص الأزمة بل تقدم حلولاً هيكلية تلامس جوهر الخلل في إدارة المال العام.

مقاربة تأتي في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية، وتكرار أزمات الوقود والكهرباء، وتآكل القدرة الشرائية للدينار الليبي، وسط اتهامات متصاعدة لحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة بالعجز عن إدارة الموارد وغياب الشفافية في الإنفاق.

لا مشكلة موارد… بل مشكلة إدارة

يقول عصر في تحليل نشره عبر منصته: «قبل أن نبحث عن أموال جديدة للدولة… علينا أن نعرف أين يذهب المال الموجود».

ويؤكد أن ليبيا لا تعاني فقط من مشكلة نقص الموارد، وإنما تعاني أيضاً من مشكلة إدارة الموارد، مشيراً إلى أن الدولة تنفق سنوياً مليارات الدينارات على المرتبات والدعم والمشتريات والمشروعات والخدمات والتوريدات.

لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه: كم ديناراً من هذه الأموال يتحول فعلاً إلى خدمة؟ وكم ديناراً يتحول إلى أصل منتج؟ وكم ديناراً يضيع بسبب سوء التخطيط أو ضعف الرقابة أو تضخم الأسعار أو تعدد الجهات؟

هذه التساؤلات تكتسب خطورة مضاعفة في ظل ما كشف عنه تقرير صادر عن مجلس النواب الليبي من أن إجمالي ما صرفته حكومة الدبيبة خلال خمس سنوات بلغ نحو 826 مليار دينار، ونحو 227 مليار دينار صُرفت على مبادلة الوقود. أرقام فلكية تتناقض بشكل صارخ مع واقع الخدمات المتردية التي يعيشها المواطن الليبي يومياً.

«المنظومة الوطنية للمشتريات والإنفاق العام»

ويقترح عصر إنشاء «المنظومة الوطنية للمشتريات والإنفاق العام»، وهي منظومة إلكترونية موحدة تخضع لها جميع الوزارات والمؤسسات والجهات العامة، بحيث لا يتم شراء سلعة أو خدمة أو تنفيذ مشروع من المال العام إلا من خلال نظام مركزي واضح ومعلن.

ويحدد لكل عملية: الجهة الطالبة، سبب الشراء، الكمية، المواصفات، السعر التقديري، الشركات المتقدمة، العرض الفائز، قيمة العقد، مراحل التنفيذ، الدفعات، والاستلام النهائي. والأهم، كما يوضح، أن تكون البيانات قابلة للمراجعة والتدقيق، بحيث يصبح من الصعب أن تشتري الدولة الشيء نفسه بأسعار مختلفة دون تفسير، أو تدفع مقابل مشروع لم يُنجز، أو تستمر في عقود لا تحقق نتيجة.

لكن الإصلاح لا يتوقف هنا. يجب أن تتحول الدولة من «دولة تشتري» إلى «دولة تشتري بذكاء»، بحيث تجيب كل عملية شراء حكومية عن ثلاثة أسئلة: هل نحتاج هذا المنتج؟ هل يمكن إنتاجه داخل ليبيا؟ وهل يمكن الحصول عليه بأفضل تكلفة وجودة؟ فإذا كان المنتج يمكن تصنيعه محلياً بالمواصفات المطلوبة، تصبح المشتريات الحكومية أداة لدعم الصناعة الوطنية.

وإذا كان المشروع زراعياً، يجب أن يرتبط بسلسلة إنتاج وتوزيع حقيقية. وإذا كان إنشائياً، يجب أن تكون له دراسة تكلفة وعائد وجدول زمني ومؤشرات إنجاز. وإذا كان عقداً خدمياً، فلا تُصرف الدفعة النهائية لمجرد تقديم الأوراق، وإنما بعد قياس النتيجة على أرض الواقع.

ويضع عصر قاعدة بسيطة: «لا مال عام بلا نتيجة قابلة للقياس». ويضيف: «ليس المهم كم أنفقنا. المهم: ماذا حصل المواطن مقابل ما أنفقناه؟».

وهنا، كما يقول، يمكن أن يبدأ الإصلاح الحقيقي للفساد دون الحاجة إلى عشرات اللجان، لأن أفضل وسيلة لمواجهة الهدر ليست فقط معاقبة من يسرق بعد وقوع الجريمة، وإنما إغلاق منافذ الهدر قبل حدوثه.

تنازع الإدارة… لا تنازع القوانين

وفي مداخلة بالغة الدلالة، يشير عصر إلى أن ما تعيشه ليبيا ليس مجرد تنازع قوانين، بل تنازع إدارة. ويوضح أن النزاع ليس معناه الفوضى والاعتداء، بل معناه أن كل طرف يقف عند حدود اختصاصه ووظائفه التي خولها له القانون.

ويضيف: «لو كل واحد وقف عند اختصاصه، أي إن كانت إدارية أو نقدية أو تشريعية أو رقابية أو مالية أو تنظيمية، تنتهي كل التجاوزات والمزايدات». هذه الكلمات تلامس مباشرة جوهر الأزمة السياسية في ليبيا، حيث تتقاطع صلاحيات المؤسسات وتتداخل اختصاصاتها، ما يفتح الباب واسعاً أمام الفساد وإهدار المال العام.

حماية الإيرادات… قبل أن يتوقف النفط

وينتقل عصر إلى قضية أكثر إلحاحاً: ماذا لو توقف النفط؟ ويشير إلى أن ما حدث خلال الأيام الماضية في خط الشرارة–الزاوية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره حادثاً عابراً.

فوفقاً لبيانات المؤسسة الوطنية للنفط، أدى إغلاق الصمام رقم 7 إلى فقدان أكثر من 942 ألف برميل خلال خمسة أيام فقط، وخسائر مالية مباشرة تجاوزت 95 مليون دولار. ثم امتد أثر ذلك إلى المصفاة والوقود والكهرباء، ما يعني أن ليبيا تحتاج إلى نظام لحماية اقتصادها من الصدمات قبل وقوعها.

ولهذا يقترح عصر إنشاء منظومة وطنية لحماية الإيرادات والاستقرار الاقتصادي، تكون بقانون واضح وتعمل بعيداً عن تغير الحكومات والانقسامات السياسية. وتقوم هذه المنظومة على سبع قواعد أساسية:

أولاً: حماية الإيرادات النفطية، عبر جمع جميع الإيرادات النفطية في مسار مالي موحد وشفاف، ونشر بيانات الإنتاج والتصدير والإيرادات بصورة دورية.

ثانياً: إنشاء احتياطي استقرار مالي، بحيث لا يتحول ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تلقائية في الإنفاق، بل يتحول جزء من الإيرادات في سنوات الوفرة إلى احتياطي يحمي الدولة عند انخفاض الإنتاج أو السعر.

ثالثاً: صندوق طوارئ للوقود والكهرباء والغذاء، لتمتلك الدولة قدرة مالية جاهزة للتدخل عند حدوث أي اضطراب في النفط أو الاستيراد.

رابعاً: تأمين البنية النفطية، عبر خطط تشغيلية للطوارئ للأنابيب والموانئ والمصافي، بحيث لا يؤدي تعطل مسار واحد إلى تعطيل جزء كبير من الاقتصاد.

خامساً: إعادة ترتيب استخدام النقد الأجنبي، بحيث تكون الأولوية في أوقات الضغط للغذاء والدواء والوقود والآلات ومدخلات الإنتاج والزراعة والصناعة، ولا تنافس السلع الكمالية احتياجات الإنتاج.

سادساً: ربط الإنفاق العام بالإيراد الحقيقي، بوضع سقف واضح للإنفاق الجاري، وتوجيه الزيادة في الإيرادات إلى الاحتياطي والاستثمار والإنتاج، لا إلى تضخم المصروفات.

سابعاً: إنشاء نظام إنذار اقتصادي مبكر، جهة مهنية تتابع أسبوعياً إنتاج النفط والصادرات والإيرادات والإنفاق والاحتياطي من النقد الأجنبي وأسعار السلع والوقود والكهرباء والواردات والالتزامات المالية.

ويؤكد عصر أن هذه ليست دعوة إلى إنشاء لجنة جديدة، بل إلى بناء نظام دائم يعمل مهما تغيرت الحكومات، فـ«الاقتصاد لا ينبغي أن يتوقف بتغير الحكومة، ولا أن تتغير قواعد إدارة المال العام بتغير المسؤولين. نحن بحاجة إلى قواعد تحكم الدولة لا إلى أشخاص يحكمون القواعد».

ويقترح تنفيذ هذه المنظومة على ثلاث مراحل: خلال تسعين يوماً، توحيد البيانات المالية والنفطية وتحديد الالتزامات ووضع خطة طوارئ. وخلال سنة، إنشاء احتياطي الاستقرار وصندوق الطوارئ وإقرار قواعد الإنفاق والنقد الأجنبي.

وخلال ثلاث سنوات، خفض الاعتماد على النفط في تمويل الإنفاق الجاري وزيادة الإنتاج المحلي وتوسيع الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية.

المواطن المكلوم… من يسمعه؟

في ختام تحليله، يضع عصر خلاصة مركزة: «ليبيا لا تعاني من نقص الموارد. ليبيا تعاني من ضعف المنظومة التي تحمي مواردها عندما تتعرض للصدمات».

ويضيف: «نحن لا نحتاج إلى أن نسأل بعد كل أزمة: من المسؤول؟ بل يجب أن نبني نظاماً يجعل الدولة مستعدة قبل الأزمة». فالنفط قد يتوقف يوماً، والسعر قد ينخفض، والميناء قد يتعطل، والمصفاة قد تتوقف، والاستيراد قد يتعثر. لكن الدولة التي تملك احتياطياً، وبيانات دقيقة، وبدائل تشغيلية، وقواعد مالية، وخطة طوارئ، لا تتحول كل صدمة فيها إلى أزمة وطنية.

وهذه، كما يخلص عصر، هي إدارة الدولة الحديثة: أن تستعد لما قد يحدث، لا أن تنتظر حدوثه ثم تبحث عن الحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى