دينارٌ يتبخر وريعٌ يتراكم.. خبراء ليبيا يفككون لغز الاعتمادات المستندية: من يحمي المواطن من فاتورة الفساد؟
بين "سرعة الدوران" و"اكتناز النقد".. خبراء يحذرون: الإنفاق العام يغذي الاستيراد والمواطن يدفع الثمن مرتين
ليبيا 24
تشريح اقتصاد الريع في ليبيا: صراع الخبراء حول “الاعتمادات المستندية” و”سرعة الدينار”.. من يحمي المواطن من فاتورة الفساد؟
في مشهد اقتصادي معقد يتداخل فيه السياسي بالأمني بالاجتماعي، يتصاعد النقاش في ليبيا حول الآليات الحقيقية لإدارة أزمة النقد الأجنبي، وتحديد المسؤوليات بين مؤسسات الدولة المختلفة.
وفي وقتٍ تتزايد فيه معاناة المواطن الليبي تحت وطأة أزمة السيولة وتآكل القدرة الشرائية، يبرز تساؤل جوهري: هل نحن أمام مشكلة فنية في توزيع الاختصاصات، أم أننا أمام “اقتصاد ريعي” متجذر يبتلع ثروات البلاد ويحولها إلى امتيازات لطبقة معينة؟
انطلاقاً من منشور لعضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، أيوب الفارسي، حاول فيه تفكيك سلسلة الاعتمادات المستندية وتحديد مسؤولية كل جهة، من وزارة الاقتصاد إلى الجمارك والرقابة، انفجر نقاش موسع بين نخبة من الاقتصاديين ورجال الأعمال، كشف عن عمق الأزمة وتشابكها.
مسؤولية موزعة أم فوضى منظمة؟
في منشوره الذي حمل عنوان “الاعتمادات المستندية في ليبيا: أين تبدأ مسؤولية كل طرف وأين تنتهي؟”، شدد الفارسي على أن علاج ملف الاعتمادات المستندية، الذي يستنزف النقد الأجنبي، يبدأ بتحديد أطراف العلاقة وتحميل كل منهم مسؤوليته.
وشرح أن العملية تبدأ من وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الدبيبة منتهية الولاية باعتبارها الجهة المختصة بتنظيم النشاط التجاري وترخيص الشركات، مروراً بالمصارف التجارية التي تتعامل مباشرة مع الشركات وتفتح الاعتمادات، ثم مصرف ليبيا المركزي الذي يوفر النقد الأجنبي، وصولاً إلى الجمارك والجهات الرقابية بالمنافذ، وانتهاءً بالجهات المختصة بمتابعة السلع والأسعار داخل السوق المحلي.
وأوضح الفارسي أن المصرف التجاري هو المسؤول عن العلاقة المباشرة مع العميل، وعن فحص المستندات والتحقق منها، بينما تقتصر مسؤولية المصرف المركزي على توفير التغطية بالنقد الأجنبي للمصارف التجارية وتطبيق الإطار النقدي والرقابي.
أما مسؤولية التحقق من وصول البضاعة فعلياً ودخولها عبر المنافذ، فتقع على مصلحة الجمارك والجهات المختصة بالمنافذ، في حين تقع مسؤولية سلامة السلع ومطابقتها للمواصفات على الجهات الفنية والرقابية كمركز الرقابة على الأغذية والأدوية.
وخلص الفارسي إلى أن “تمويل الاستيراد، وفتح الاعتماد، ودخول البضاعة، وفحصها، ثم تداولها وتسعيرها في السوق هي حلقات متتابعة، لكنها ليست مسؤولية جهة واحدة، بل لكل جهة مسؤوليتها التي تبدأ وتنتهي عند الحدود التي رسمها لها القانون واللوائح المنظمة”.
“المشكلة ليست من يأخذ الدولار.. بل لماذا يستطيع أن يربح لمجرد الوصول إليه”
لم يمر هذا الطرح مرور الكرام، إذ سرعان ما رد رجل الأعمال حسني بي على منشور الفارسي، مؤكداً أن “الفجوة السعرية ليست عدالة في التوزيع، بل ريع يجب تجفيف مصدره”.
وحذر من أن التركيز على “من يحصل على الدولار الرسمي” هو خطأ في التشخيص، لأن المشكلة الجوهرية تكمن في وجود فجوة سعرية بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي تبلغ نحو 3 دنانير لكل دولار.
وقدر حسني بي حجم هذا الريع الضمني بنحو 75 مليار دينار سنوياً، بناءً على افتراض بيع 25 مليار دولار سنوياً (8 مليارات للأغراض الشخصية و17 ملياراً للاعتمادات)، موزعاً إياها بواقع 24 مليار دينار من الأغراض الشخصية و51 مليار دينار من الاعتمادات.
واعتبر أن هذا الرقم “لا يعني أن كل مواطن يدفع فعلياً مبلغاً نقدياً متساوياً، لكنه يمثل قيمة عامة ضائعة أو محولة إلى المستفيدين من السعر التفضيلي”، مضيفاً أنه “لو قسمناه حسابياً على 9 ملايين مواطن فهو يعادل نحو 8,300 دينار للفرد سنوياً كقيمة اقتصادية، لا كضريبة نقدية مباشرة”.
وشدد على أن “الحل الحقيقي هو تجفيف منبع الاغتنام: تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الذي يوازن العرض والطلب، بحيث لا يصبح مجرد الوصول إلى الدولار نشاطاً يحقق ربحاً شبه مضمون”. واختتم بالقول: “غيّر المستفيد، يبقى الريع. أزل الفجوة، ينتهي أصل الريع”.
“أين تكافؤ الفرص؟”
من جانبه، طرح وكيل وزارة المالية الأسبق والخبير الاقتصادي إدريس الشريف سؤالاً جوهرياً لم يجبه عليه منشور الفارسي، وهو: “هل جميع طالبي الدولار ممن استوفوا الشروط يحصلون على الدولار بالعدالة نفسها وبالسرعة والكفاءة نفسيهما ودون محاباة أو أولوية غير معلنة؟”.
وأشار الشريف إلى أن “المشكلة لا تتعلق فقط بمن يفتح الاعتماد ومن يوفر الدولار ومن يتابعه، بل بكيفية تخصيص النقد الأجنبي المحدود بين طالبيه”، متسائلاً: “ما معيار الأولوية؟ هل هو أسبقية الطلب؟ أم نوع السلعة؟ أم توزيع الحصص بين المصارف؟ وهل يطبق المعيار نفسه على الجميع؟”.
وتساءل: “إذا كان طلبان مستوفيان للشروط، فلماذا يحصل أحدهما على الدولار سريعاً بينما ينتظر الآخر أسابيع أو أشهر؟”.
واختتم الشريف مداخلته بالتشديد على أن “الشفافية يجب أن تبدأ ليس فقط في تحديد مسؤولية كل جهة، بل في ضمان تكافؤ الفرص بين الجميع في الحصول على النقد الأجنبي”.
رد الفارسي: “المصارف التجارية هي المسؤولة”
على هذا التساؤل، رد أيوب الفارسي موضحاً أن “تحديد الأسبقية ومتابعة طلبات العملاء وتكافؤ الفرص بينهم هي مسؤولية أصيلة ومباشرة للمصرف التجاري الذي يتعامل معه التاجر مباشرة، فالمصرف التجاري هو من يستلم الطلبات، يرتب أولوياتها، ويحيلها للمركزي”.
وأكد أن “هذه المرحلة من اختصاص المصارف وهي من تسأل عن العدالة أو المحاباة”.
“سرعة دوران الدينار”.. بين النظرية والواقع الليبي
وفي موضوع آخر، فتح أيوب الفارسي نقاشاً حول “سرعة دوران الدينار الليبي: هل هي حل أزمة الصرف أم تسريع لأثرها الضار؟”، متسائلاً عما إذا كان الإفراط في اختزال المشكلة الاقتصادية الليبية في متغيرين فقط (حجم الإنفاق العام مقابل عرض الدولار) يغفل جانب الكفاءة التشغيلية للنقود ومرونة التداول.
وشرح الفارسي أن زيادة سرعة دوران الدينار محلياً تعني زيادة المعاملات الاقتصادية الحقيقية، لكنه حذر من أن “العلاقة العكسية المقترنة باستيراد الاستهلاك” تعني أن “سرعة دوران النقود في اقتصاد إنتاجي متنوع تترجم إلى توسع في المعاملات المحلية.
أما في اقتصاد ريعي مكشوف بنسبة تتجاوز 85%، فإن تسريع دوران الدينار محلياً دون وجود قاعدة إنتاجية محلية يعجل فوراً وبشكل شبه مباشر بطلب الدولار لاستيراد السلع الاستهلاكية”.
وأشار إلى “معضلة النقد المكتنز”، موضحاً أنه “لكي تزيد سرعة الدوران في القنوات الرسمية، يجب أن تمر العملة عبر النظام المصرفي.
ولكن مع تفضيل التداول النقدي واحتفاظ الجمهور والقطاع الموازي بالسيولة خارج المصارف، فإن تسريع حركة النقد يتجه غالباً نحو المضاربة أو الأسواق الموازية بدلاً من الدورة الاقتصادية الرسمية”.
وكشف الفارسي أن “سرعة دوران النقود في ليبيا تسجل معدلات متدنية، فحسب معادلة سرعة دوران النقود ببيانات 2025 فسرعة دوران النقود (حوالي 1.05 إلى 1.07)”، مؤكداً أن “الاقتصاديين لا يبحثون عن زيادة هذا الرقم في حد ذاته بل تغيير طبيعة الحركة”، من خلال ربط الدوران بالقطاعات غير النفطية، واستعادة وظيفة الوساطة المالية، ومعالجة المعضلة الهيكلية للإنفاق العام.
“الأرقام لا تثبت ذلك”
لم يسلم هذا الطرح من النقد، إذ رد رجل الأعمال حسني بي قائلاً: “أتفق معك أن سرعة دوران النقود ليست علاجاً بذاتها؛ فإذا لم يقابلها إنتاج محلي، تحولت سرعة التداول إلى طلب أسرع على السلع المستوردة والدولار. لكن أحدث بيانات المركزي تجعلني أختلف مع تفسير المشكلة بأنها أساساً تسرب النقود خارج المصارف”.
واستشهد حسني بي ببيانات مارس 2026 حيث بلغ M2 نحو 216.9 مليار دينار، بينما النقد المتداول خارج المصارف نحو 70.4 مليار فقط؛ أي أن قرابة ثلث عرض النقود نقد ورقي خارج الجهاز، بينما الجزء الأكبر موجود في صورة ودائع مصرفية.
والأكثر دلالة، بحسب قوله، أن المصارف كانت تحتفظ بنحو 177.2 مليار دينار من الأرصدة والودائع لدى مصرف ليبيا المركزي، في حين أن الاحتياطي الإلزامي المطلوب نحو 60.3 ملياراً فقط، بينما إجمالي القروض والتسهيلات لا يتجاوز 32.8 مليار دينار.
وخلص حسني بي إلى أن “المشكلة ليست ببساطة: كيف نعيد الدينار إلى المصرف؟ الدينار موجود داخل المنظومة المصرفية أصلاً بكميات ضخمة؛ المشكلة هي: لماذا لا يتحول إلى ائتمان واستثمار وإنتاج؟”، مضيفاً: “السؤال ليس كم مرة يدور الدينار، بل أين يدور ولماذا؟”.
“عدم اتساق في الأرقام”
دخل الخبير الاقتصادي منير العقوري على خط النقاش، مشككاً في اتساق الأرقام التي قدمها حسني بي، موضحاً أن “أرصدة المصارف لدى المركزي 177.2 مليار أكبر من مجموع الودائع داخل M2 (216.9 − 70.4 = نحو 146.5 مليار)، والاحتياطي الإلزامي 60.3 مليار يعني وعاءً الودائع أكبر بكثير من 146.5 مليار، والنسبة المعتادة (15–20%) لن تصل إلى ذلك”.
ورجح أن “الأرقام تشمل ودائع بالعملة الأجنبية أو ودائع حكومية أو بنوداً غير داخلة في M2“.
واعتبر العقوري أن “تحويل أكثر من إلى بدلاً من حول المشكلة إلى تسرب النقد فقط، لكن 70.4 مليار نحو 32.5% رقم كبير قد تكون المشكلة الحقيقية مزدوجة يعني نقد مكتنز خارج المصارف وسيولة مصرفية معطلة داخلها”.
وشكك في تفسير حسني بي حول “ضعف الائتمان إلى حوافز الريع”، مؤكداً أن “البيانات لا تثبت ذلك، هناك تفسيرات أخرى لم تذكرها مثلاً ضعف الضمانات وارتفاع مخاطر الائتمان وقانون منع الفوائد الربوية وتأثيره في نموذج عمل المصارف وغياب معلومات ائتمانية والانقسام المؤسسي وضعف الطلب على الاقتراض لأنه موقوف من المركزي”.
“مصطلح في غير محله”
وعاد العقوري ليرد على منشور الفارسي حول سرعة الدوران، مشيراً إلى أن “مصطلح Pass-Through Effect في الأدبيات الاقتصادية يشير تحديداً إلى انتقال أثر سعر الصرف، أي كيف تنعكس تغيرات سعر الصرف على الأسعار المحلية والتضخم، واعتقد أنه لا يشير لعلاقة سرعة دوران النقود بالطلب على العملة الأجنبية”.
وتساءل عن مصدر الرقم المحدد لسرعة الدوران (1.05-1.07) ببيانات 2025.
كما أشار إلى “التبسيط في ربط سرعة الدوران بالقيمة المضافة”، موضحاً أنه “من معادلة الكمية النقدية MV = PY، زيادة V مع ثبات M تنعكس زيادة في PY، لكن هذا لا يعني بالضرورة نمواً حقيقياً، فقد تكون الزيادة كلها في الأسعار (P) أي تضخماً صرفاً دون أي قيمة مضافة فعلية”.
الفارسي: “المصطلح يعبر عن ميكانيزم اقتصادي”
ورد الفارسي على العقوري موضحاً أن “مصطلح أثر التمرير في الاقتصاد يعبر عن نسبة ومعدل انتقال التغيرات في متغير اقتصادي معين (مثل سعر الصرف، الضرائب، أو أسعار المواد الخام) لتنعكس على الأسعار النهائية للمستهلك”، مضيفاً أنه “ليس مصطلحاً في الأساس وإنما جملة تعبر عن ميكانيزم اقتصادي”.
“الحل لن يكون تقليدياً”
وفي مداخلة له، أكد الدكتور امحمد المنصوري، عضو مجلس الإدارة بالهيئة العامة للتشغيل ورئيس المؤتمر الدولي لدعم المشروعات المتوسطة والصغيرة، أن “حل المشكلة الاقتصادية في ليبيا لن يكون تقليدياً؛ لأن البيئة المحيطة بها شديدة التعقيد، ويصعب السيطرة على أي من مكوناتها”، مشيراً إلى البيئة السياسية والاقتصادية والأمنية والقانونية والتقنية والاجتماعية.
وأضاف المنصوري: “إضافة إلى ذلك، فإن الفساد، للأسف، تجاوز الأطر الإدارية والمالية ووصل إلى مستويات تمس الجانب الأخلاقي”. وخلص إلى أن “معالجة المشكلة معقدة جداً، وتحتاج إلى خلطة خاصة ومبتكرة تتعامل مع هذه البيئات بصورة متكاملة”.
مواطن يدفع الثمن
في خضم هذا النقاش الذي يبدو نخبوياً، يبقى المواطن الليبي هو المتضرر الأكبر. فبينما يتجادل الخبراء حول مسؤوليات الجهات، وحجم الريع، وسرعة دوران الدينار، يواجه المواطن يومياً أزمة سيولة خانقة، وارتفاعاً جنونياً في الأسعار، وانهياراً في الخدمات الأساسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت كل هذه الاختلالات معروفة ومعلنة، فلماذا لا يزال المواطن يدفع فاتورة الفساد وسوء الإدارة مرتين: مرة عندما يُحرم من الخدمات، ومرة عندما يُطلب منه الصمت والانتظار؟



