جدول الرواتب الموحد في ليبيا: بين طموحات العدالة الاجتماعية ومخاطر الانهيار المالي
رواتب الليبيين بين وعود العدالة الاجتماعية وعبء ميزانية مثقلة بإنفاق حكومي
ليبيا 24
جدول الرواتب الموحد يعود للواجهة وسط احتجاجات شعبية وصراع على المال العام
احتجاجات تتصاعد ورواتب تتآكل
عاد ملف «جدول الرواتب الموحد» في ليبيا إلى صدارة المشهد العام، مع تصاعد الاحتجاجات والإضرابات الفئوية في مختلف القطاعات، وسط جدل واسع بين مؤيد يراه خطوة نحو تحقيق العدالة في الأجور، ومعارض يحذر من أن تطبيقه بمعزل عن إصلاحات هيكلية سيزيد من أعباء الميزانية العامة.
وتتراوح الشريحة الكبرى من رواتب الموظفين بين 1500 و3000 دينار شهرياً، وهي قيم لم تعد كافية لشراء السلع الأساسية، في ظل اعتماد السوق الليبي بدرجة كبيرة على الاستيراد، وتسعير التجار بضائعهم وفق سعر الدولار في السوق الموازية القريب من 10 دنانير، بينما يساوي الدولار 6.39 دينار في السوق الرسمية.
مجلس النواب يعيد النظر: خطوة تصحيحية أم مسكنة مؤقتة؟
يؤكد مجلس النواب أنه سيعيد النظر في جدول المرتبات الموحد لموظفي الدولة، إذ يراه المؤيدون خطوة «ترسي عدالة اجتماعية غائبة»، بتوحيد المرتبات وفق المؤهل والدرجة الوظيفية، دون تمييز بين القطاعات الحكومية المختلفة، ما قد يحد من الغضب الشعبي والإضرابات مستقبلاً.
وفي هذا السياق، يصف عضو اللجنة الاقتصادية بالمجلس الأعلى للدولة، سعيد ونيس، الجدول بأنه «خطوة تصحيحية وضرورية» ستحقق العدالة بين العاملين بالدولة، وتنظم ملف المرتبات وتوقف تضخمه بسبب زيادات أخيرة «اتسم أغلبها بالعشوائية وعدم الدراسة».
تحذيرات من انفجار الميزانية: بند المرتبات يقترب من 100 مليار دينار
يحذر خبراء من أن تطبيق الجدول بمعزل عن إصلاحات هيكلية، واقتصاره على رفع مرتبات صغار الموظفين ومتوسطيهم، «سيزيد الضغط على ميزانية مثقلة أصلاً من جراء توسع الإنفاق من قبل الحكومتين المتنازعتين على السلطة».
ويشير ونيس إلى تحذيرات متداولة عن مسؤولين اقتصاديين من «قفز بند المرتبات إلى نحو 100 مليار دينار بنهاية العام إذا استمرت الزيادات من جراء مطالبة كل قطاع برفع مرتباته»، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى أن تصبح عوائد تصدير النفط، المصدر الرئيسي لدخل البلاد، غير كافية لتغطية بند المرتبات، ناهيك ببقية الميزانية.
وبحسب بيانات المصرف المركزي، تجاوز الإنفاق على المرتبات (الباب الأول) 73 مليار دينار في 2025، وبلغ قرابة 46 ملياراً خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي.
زيادات عشوائية و«معيار قياسي» يهدد الاستقرار
شهد العام الحالي زيادات واسعة لرواتب ثلاثة قطاعات، وهي الرقابة الإدارية، ثم الجيش بجدول معدل أُقر قبل ثلاثة أشهر بنسبة 150 في المائة، مما جعله «معياراً قياسياً» تطالب بقية المؤسسات بمساواتها به، وأخيراً حرس المنشآت النفطية، الذي ساواه الدبيبة بالجيش قبل أيام قليلة لإنهاء تهديدات إغلاق الحقول.
ويرى مراقبون أن هذه الزيادات العشوائية، التي تأتي في ظل حكومة منتهية الولاية، تزيد من حالة الاحتقان الشعبي وتدفع نحو مزيد من الإضرابات الفئوية.
منظومة «راتبك لحظي»: سلاح ذو حدين في مواجهة الفساد
يرى ونيس أن تطبيق الجدول مع منظومة «راتبك لحظي» التي يعتمدها «المصرف المركزي»، والمرتبطة إلكترونياً بالرقم الوطني، «سيقضي على فساد واسع كالازدواج الوظيفي والأسماء الوهمية، ويمنح صانع القرار صورة حقيقية عن عدد المتقاضين وحجم المبالغ المطلوبة».
لكن في المقابل، يخشى موظفون من أن تطبيق هذه المنظومة قد يزيد من تعقيدات صرف الرواتب في ظل الانقسام المؤسسي، بينما يطالب المواطن الليبي المكلوم بضرورة أن تصل الزيادات إلى جيوبه دون مماطلة أو انتقائية.
أزمة ثقة تتطلب حلولاً جذرية
تتضح أزمة الرواتب في ليبيا كأحد أبرز تجليات الأزمة السياسية والاقتصادية الشاملة. فبينما تتسابق الحكومتان المتنازعتان على السلطة لإرضاء القطاعات المختلفة بالزيادات، يجد المواطن نفسه ضحية لارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ويبقى السؤال: هل سينجح جدول الرواتب الموحد في تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة، أم سيتحول إلى عبء إضافي على ميزانية منهكة، في ظل غياب إصلاحات هيكلية حقيقية واستمرار الانقسام السياسي؟



