ثقوب سوداء تبتلع ثروة ليبيا.. والمواطن يدفع الثمن مرتين! خفض الدينار يلوح بالأفق.. ورواتب الموظفين فاتورة مفتوحة
الشريف يكشف: ثلاثة ثقوب سوداء تبتلع المال العام من المنبع حتى الإنفاق
ليبيا 24
ليبيا.. حين تُبتلع الثروة في ثلاث مراحل والمواطن يُطالب بدفع الفاتورة
في وقت تواصل فيه حكومة الوحدة الوطنية المنتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة إدارة المشهد المالي في البلاد، خرج الخبير الاقتصادي إدريس الشريف، أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية، بتشخيص صادم لما وصفه بـ”الثقوب السوداء التي تبتلع المال العام” في ليبيا، محذراً من أن المواطن الليبي بات مكلفاً بدفع فاتورة قرارات مالية اتُّخذت دون دراسة ودون رؤية شاملة.
الثقب الأول.. النزيف من المنبع
يشير الشريف في تحليله، الذي نشره عبر صفحته على فيسبوك، إلى أن الثقب الأول والأكبر يبتلع جزءاً كبيراً من الإيرادات من المنبع وقبل وصولها إلى حسابات الخزانة في المصرف المركزي، ويشمل ذلك قطاعات حيوية تشكل عصب الاقتصاد الليبي، وفي مقدمتها قطاع النفط والاتصالات والاستثمارات.
وهذه القطاعات، بحسب الخبير، تمثل الرافعة الأساسية للإيرادات العامة، إلا أن التسرب فيها يحدث قبل أن تصل الأموال إلى الخزانة العامة، ما يعني أن الدولة تفقد جزءاً من ثروتها قبل أن تتمكن حتى من المحاسبة.
الثقب الثاني.. الاعتمادات الوهمية
أما الثقب الثاني، فيبتلع وفق الشريف جزءاً مهماً مما تبقى من الدولارات بعد وصولها إلى المصرف المركزي، وذلك عبر ما أسماه “الاعتمادات الوهمية”، في إشارة إلى آليات تمويل الاستيراد التي يتم التلاعب بها لتحويل الأموال خارج المسار القانوني.
وهذه الممارسة، إن صحت، تعني أن العملة الصعبة التي يفترض أن تخدم الاقتصاد الوطني وتوفر السلع الأساسية، تتحول إلى قنوات لتهريب الثروة.
الثقب الثالث.. الإنفاق المنفلت
ويشير الشريف إلى ثقب ثالث يبتلع جزءاً هاماً من الدينارات بعد تحويل الإيرادات إلى إنفاق محلي، عبر الإنفاق العام المنفلت ودون قيود الميزانية المعتمدة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يُنفق المال العام في غياب الرقابة البرلمانية الفعلية والميزانية الموحدة؟
المعضلة الكبرى.. قرارات بلا دراسة
ينتقل الخبير الاقتصادي من تشخيص الثقوب إلى التحذير من “المحظور” الذي وقع بالفعل، والمتمثل في العبث بجداول المرتبات دون دراسة علمية، ما خلق تفاوتات غير مبررة وغير عادلة بين العاملين في الدولة.
ويؤكد الشريف أنه حذر منذ سنوات من أن هذا النهج لن ينتهي عند حدود قرار واحد، بل سيفتح باباً لمطالبات متتالية نتيجة الغبن الذي ستشعر به فئات أخرى، وهو ما حدث بالفعل.
ويجد الشريف أن الحكومة ومجلس النواب أمام خيارين “أحلاهما مر”: إما الاستجابة للمطالبات بما قد يحمل الميزانية أعباء تفوق قدرتها على التمويل، وإما خفض قيمة الدينار لتمويل الزيادات وتخفيف العبء على الميزانية.
لكنه يوضح أن خفض قيمة الدينار لا يلغي قرارات الزيادة السابقة، بل يعني ببساطة أن المواطن سيدفع الثمن من قوته الشرائية.
المواطن.. الضحية الأخيرة
ويشدد الشريف على أن المشكلة ليست في تحسين دخول الموظفين، وهو أمر مرغوب ومطلوب، وإنما في إدارة ملف المرتبات بعقلية المحاباة والقرارات المنفصلة دون النظر إلى الصورة الكاملة: هيكل الأجور العادل والمتكافئ، وحجم الإنفاق العام، والإيرادات، والتضخم، وسعر الصرف، وما ستفرضه هذه القرارات من عبء على الحكومات القادمة.
ويخلص الخبير إلى أن القرارات التي تُتخذ بلا دراسة لا تختفي عندما يغادر أصحابها مناصبهم، بل تبقى كفاتورة مفتوحة تنتقل من حكومة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر من المسؤولين.
والأخطر من الخطأ نفسه هو أن يتكرر الخطأ، ثم يُطلب من المواطن أن يدفع الثمن من دخله ومدخراته وقوته الشرائية، أو يُحرم من حقه في الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم.
خلاصة الأزمة
وفي المحصلة، يؤكد الشريف أن قرارات خاطئة زُرعت بذورها في السابق، وكان من المؤكد أن يحصد المواطن الليبي ثمارها السيئة عاجلاً أم آجلاً.
ويبقى السؤال المطروح: إلى متى يظل المواطن الليبي يدفع فاتورة أخطاء غيره، بينما الثروة تتسرب من ثلاثة ثقوب معروفة لدى الجهات المعنية، وسدها ومكافحة الهدر فيها، إلى جانب وضع جدول مرتبات عادل ومدروس، كفيلان بتوفير موارد تسمح بزيادة مرتبات الفئات المغبونة كالتعليم والصحة، دون الحاجة إلى تعديل جديد في سعر الصرف يتحمل تكلفته المواطن.



