ليبيا

تآكل الأجور يدفع موظفي ليبيا إلى أعمال إضافية

تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة يضغطان على الدخول الثابتة

لم يعد الراتب الحكومي في ليبيا كافيًا لكثير من الموظفين لتغطية احتياجات المعيشة في ظل تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف السلع والخدمات، ما يدفع أصحاب الدخول الثابتة إلى تمديد ساعات العمل والبحث عن مصادر دخل إضافية.
وتتجسد هذه الضغوط في لجوء بعض العاملين في قطاعات التعليم والصحة وغيرها إلى أعمال إضافية بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية، في محاولة لتعويض جزء من القوة الشرائية التي فقدتها دخولهم وليس فقط لتحسين مستوى المعيشة.

تراجع القوة الشرائية يدفع أصحاب الدخول الثابتة إلى الجمع بين أكثر من مصدر للدخل

وتزامنت هذه الضغوط مع تحركات مطلبية في قطاعي التعليم والصحة، شملت المطالبة بتحسين الرواتب وتسوية الأوضاع الوظيفية وصرف المستحقات والفروقات وتوفير التأمين الصحي.
ويأتي ذلك في سياق اقتصادي أكثر تعقيدًا، بعدما خفض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية مرتين، بنسبة 13.3% في أبريل 2025 و14.7% في يناير 2026. ويؤدي انخفاض قيمة العملة إلى زيادة كلفة السلع والخدمات المستوردة ورفع تكاليف النقل والخدمات والسلع المحلية التي تعتمد على مدخلات مستوردة.

خفض قيمة الدينار يرفع تكلفة الاستيراد وينعكس على أسعار السلع والخدمات

ولا يرتبط ارتفاع الأسعار بسعر الصرف وحده، إذ تتداخل معه عوامل تشمل ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي واتساع الإنفاق العام وتكاليف الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي، ما يجعل زيادة الرواتب وحدها غير كافية لضمان تحسن حقيقي في مستوى المعيشة إذا سبقتها الأسعار بمعدلات أعلى.
ويرى محللون اقتصاديون أن انتشار الأعمال الإضافية يعكس آلية للتكيف مع تراجع القوة الشرائية، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن اختلالات أوسع في سوق العمل، من بينها محدودية فرص القطاع الخاص وضعف الإنتاجية واستمرار الاعتماد الكبير على الإنفاق النفطي.

الأعمال الإضافية تخفف ضغوط الدخل لكنها لا تعالج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد

وتزداد أهمية هذه المسألة مع ارتفاع فاتورة الأجور الحكومية، إذ بلغ الإنفاق على الرواتب 46.9 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، بينما لا يزال الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط كمصدر رئيسي لإيرادات الدولة والنقد الأجنبي.
وتكشف هذه المعادلة عن فجوة بين حجم الإنفاق العام وقدرة الدخول على الحفاظ على قوتها الشرائية، في وقت تظل فيه الأسعار مرتبطة بدرجة كبيرة بسعر الصرف وتكاليف الاستيراد.

ارتفاع فاتورة الرواتب لا يعني تلقائيًا تحسن الدخول الحقيقية مع استمرار ضغوط الأسعار وسعر الصرف

وبالتالي، فإن ظاهرة العمل الإضافي لا تبدو مجرد خيار فردي لتحسين الدخل، بل مؤشر على الضغوط التي تواجه أصحاب الرواتب الثابتة، وعلى الحاجة إلى معالجة أوسع تشمل استقرار الأسعار وتعزيز الإنتاج المحلي وتوسيع فرص العمل خارج القطاع العام إلى جانب إصلاح منظومة الأجور والإنفاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى