تكرار الإغلاقات النفطية يهدد عوائد ليبيا ويفتح جدلًا قانونيًا حول القوة القاهرة
اضطرابات خط الشرارة تضغط على الإنتاج وثقة المستثمرين وسط خطط لرفع الإنتاج إلى مليوني برميل يوميًا

لا تبدو أزمة النفط في ليبيا مرتبطة فقط بحجم الإنتاج أو أسعار الخام في الأسواق العالمية، بل تتصل بشكل متزايد بقدرة الدولة على حماية البنية التحتية النفطية وضمان استمرارية الإمدادات. فالإغلاقات المتكررة لخطوط الأنابيب والمنشآت تعيد طرح أسئلة قانونية واقتصادية حول جدوى إعلان القوة القاهرة كحل متكرر لتعطّل عمليات الإنتاج والتصدير.
إغلاقات متكررة تضغط على الإيرادات
أحدث هذه التطورات جاء مع إغلاق خط أنابيب يربط حقل الشرارة في جنوب غرب ليبيا بمحطة الزاوية، قبل أن تعلن المؤسسة الوطنية للنفط إعادة فتح الخط بعد عدة أيام من التوقف. وقدرت المؤسسة خسائر الإغلاق بنحو 95 مليون دولار، في مؤشر على الكلفة المباشرة التي تتحملها المالية العامة نتيجة الاضطرابات.
وتنتج ليبيا حاليًا نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، بينما تستهدف الوصول إلى مليوني برميل يوميًا بحلول عام 2030. لكن تحقيق هذا الهدف لا يتوقف على تطوير الحقول وزيادة الاستثمارات فقط، وإنما يتطلب أيضًا استقرار عمليات الإنتاج والنقل والتصدير.
القوة القاهرة ليست حلًا تلقائيًا
وتطرح الإغلاقات المتكررة إشكالية قانونية تتجاوز مجرد توقف الإنتاج. فالخبير النفطي الليبي أحمد محمد يرى أن اعتبار القوة القاهرة آلية تلقائية للإعفاء من الالتزامات التعاقدية قد يقود إلى تعقيدات قانونية وتجارية إذا تحولت الإغلاقات من أحداث استثنائية إلى ظاهرة متكررة.
وترتبط القوة القاهرة بنصوص العقود والقانون المنظم لها، وبالتالي فإن وقوع إغلاق فعلي لا يعني بالضرورة سقوط جميع الالتزامات المترتبة على عدم تسليم الكميات المتعاقد عليها.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في الحالة الليبية بسبب تعدد الجهات التي قد تقف وراء عمليات الإغلاق. فإذا كان التعطيل ناتجًا عن عمل مسلح مستقل عن المؤسسة الوطنية للنفط، فقد تكون حجة القوة القاهرة أكثر وضوحًا، بينما يظل الوضع أكثر تعقيدًا عندما تكون جهات حكومية أو أمنية أو تشكيلات مرتبطة بالدولة طرفًا في الأزمة.
البنية النفطية تحت ضغط الاضطرابات
ويمثل خط الشرارة عنصرًا مهمًا في منظومة الطاقة الليبية، إذ يربط أحد أكبر حقول النفط في البلاد بمصفاة الزاوية، التي تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يوميًا، وتوفر عددًا من المنتجات للسوق المحلية من بينها البنزين والديزل ووقود الطائرات وغاز البترول المسال.
وبالتالي فإن أي تعطيل للخط لا ينعكس فقط على صادرات الخام، وإنما يمكن أن يمتد تأثيره إلى عمليات التكرير والإمدادات المحلية، ما يزيد من التكلفة الاقتصادية للإغلاقات ويضاعف الضغوط على قطاع الطاقة.
ثروات كبيرة وفرص استثمارية مهددة
وتملك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، إلى جانب احتياطيات كبيرة من الغاز، فيما تشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط إلى وجود أكثر من 60 حقلًا مكتشفًا للنفط والغاز لم تدخل بعد مرحلة التطوير.
هذه الإمكانات تمنح ليبيا فرصًا واسعة لجذب شركات الطاقة الدولية وزيادة الإنتاج، خصوصًا مع بحث السلطات عن تعديلات في إطار الاستثمار واتفاقيات تقاسم الإنتاج بهدف تعزيز جاذبية القطاع أمام رؤوس الأموال.
لكن استمرار المخاطر الأمنية يضع هذه الفرص أمام اختبار حقيقي… فالمستثمر لا ينظر فقط إلى حجم الاحتياطيات أو أسعار النفط، وإنما إلى قدرة الدولة على حماية المنشآت وضمان استمرار الإنتاج وتنفيذ الالتزامات التعاقدية.
المشكلة تتجاوز سعر النفط
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر لليبيا فرصة لتعويض جزء من آثار اضطرابات الأسواق العالمية، فإن الاعتماد على ارتفاع الأسعار وحده لا يعالج نقاط الضعف الهيكلية في القطاع.
فزيادة الإيرادات النفطية تصبح أقل تأثيرًا إذا تزامنت مع توقفات متكررة في الإنتاج وارتفاع تكاليف التعطل وتراجع ثقة المستثمرين. كما أن استهداف إنتاج مليوني برميل يوميًا بحلول 2030 يحتاج إلى بيئة أكثر استقرارًا تسمح بتطوير الحقول والبنية التحتية بدلًا من إدارة أزمات الإغلاق بصورة متكررة.
وبذلك تكشف أزمة خط الشرارة عن معادلة أوسع في الاقتصاد الليبي: وفرة الموارد لا تكفي وحدها لتعظيم العوائد، ما لم تتوافر القدرة المؤسسية والأمنية والقانونية على حماية الإنتاج واستدامته.



