ليبيا

المركزي يكشف العجز: 4.7 مليار دولار فجوة في النقد الأجنبي و88.6 مليار دينار إنفاق حكومي في 9 أشهر

"اقتصاد الريع" يفضح نفسه: 4.7 مليار دولار عجز بالنقد الأجنبي وحكومة الدبيبة تلتهم 3.2 مليار دينار في 9 أشهر

دينار مهدور وسيادة منقوصة: المركزي يعلن تغطية العجز من الذهب والسندات ومؤسسات الدولة تتنافس على النهب

ليبيا 24

العجز المزدوج: قراءة في تقرير مصرف ليبيا المركزي وأزمة الإنفاق العام في ليبيا

أرقام لا تكذب

في وقت تتواصل فيه معاناة المواطن الليبي تحت وطأة أزمة سيولة خانقة وارتفاع جنوني في الأسعار وانعدام شبه كامل للخدمات الأساسية، جاء بيان مصرف ليبيا المركزي عن الإيرادات والنفقات للفترة من الأول من يناير إلى الثلاثين من سبتمبر 2026 ليكشف عن حجم الكارثة المالية التي تعيشها البلاد.

التقرير، الذي حمل أرقامًا صادمة، لم يكن مجرد كشف محاسبي، بل كان وثيقة إدانة مزدوجة: إدانة لمنظومة إنفاق عام انحرفت عن مسارها التنموي، وإدانة لعجز في النقد الأجنبي بلغ نحو 4.7 مليار دولار.

أولاً: عجز النقد الأجنبي – حين تنفد العملة الصعبة

كشف المصرف المركزي أن إجمالي الإيرادات النفطية والإتاوات خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري بلغ نحو 17.6 مليار دولار، في حين وصلت قيمة الاستخدامات والالتزامات القائمة بالنقد الأجنبي إلى 22.3 مليار دولار، مما خلق عجزًا يقارب 4.7 مليار دولار.

هذا العجز لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكم سياسات إنفاقية غير مسؤولة، واعتماد كلي على عائدات النفط كمصدر وحيد للعملة الصعبة، دون أي تنويع حقيقي للاقتصاد.

الأخطر من ذلك، أن المصرف المركزي أعلن أنه قام بتغطية قيمة هذا العجز من عوائد استثماراته في الودائع ومحفظة السندات والذهب.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: بأي حق يتم استخدام أصول السيادة الوطنية، التي هي ملك للشعب الليبي بأسره، لتغطية عجز ناتج عن إنفاق حكومي غير رشيد وغير خاضع للمساءلة؟ إن استنزاف الاحتياطيات، بغطاء “استثماري”، يشكل اعتداءً صارخًا على حقوق الأجيال القادمة.

وقد أشار الخبير الاقتصادي مختار الجديد إلى “تناقض” بين الحديث عن تغطية عجز بقيمة 4.7 مليار دولار وانخفاض إجمالي الأصول الأجنبية من 99.4 مليار دولار إلى 95 مليار دولار، متسائلًا عن آلية معالجة العجز ولا سيما ما يتعلق باستخدام الذهب في تغطيته.

هذا التناقض يستدعي تحقيقًا برلمانيًا وقضائيًا عاجلًا، فالأموال العامة ليست حقلًا للتجارب، والذهب ليس ورقة نقدية قابلة للطباعة.

وتوزعت استخدامات النقد الأجنبي بين 2.981 مليار دولار عبر مصرف ليبيا المركزي، و19.341 مليار دولار من خلال المصارف التجارية. وفيما يتعلق باستخدامات المصرف المركزي، بلغت قيمة رواتب العاملين بالخارج 246.6 مليون دولار، فيما خصص 434.5 مليون دولار للمؤسسة الوطنية للنفط، و781 مليون دولار للشركة العامة للكهرباء، إلى جانب مليار و90 مليون دولار في صورة اعتمادات وحوالات لجهات عامة.

كما شملت استخدامات المصرف المركزي تخصيص 190.9 مليون دولار لجهاز الإمداد الطبي، و78.7 مليون دولار لمنح الطلبة الدارسين بالخارج، و44.8 مليون دولار للعلاج بالخارج، إضافة إلى 114.5 مليون دولار لجهاز مشروعات الإسكان.

ثانياً: الإنفاق العام – دينار يُهدر وآخر يُحتكر

على الجانب الآخر من المعادلة، أعلن المصرف المركزي أن إجمالي الإنفاق العام للدولة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري وصل إلى نحو 88.6 مليار دينار، مقابل إيرادات بقيمة 114.5 مليار دينار.

وبتحليل بنود هذا الإنفاق، يتضح حجم الخلل البنيوي في أولويات الدولة، حيث استحوذ بند المرتبات (الباب الأول) على الحصة الكبرى بواقع 60.6 مليار دينار، فيما بلغت نفقات الباب الثاني (النفقات التسييرية) 12.1 مليار دينار، وبلغت نفقات الباب الثالث (التنمية) 1.6 مليار دينار فقط، في حين وصلت نفقات الباب الرابع (الدعم) إلى 14.3 مليار دينار.

هذه الأرقام تكشف بجلاء أن مشروع التنمية في ليبيا قد توقف تمامًا. فبينما يبتلع بند واحد (المرتبات) ما يعادل 68% من إجمالي الإنفاق، لا يجد قطاع التنمية سوى 1.8% من هذا الإنفاق.

أي تنمية يمكن الحديث عنها في دولة يذهب كل دينار تقريبًا إلى أجور موظفين، بينما تتهاوى البنية التحتية وتتآكل الخدمات وتتدهور المستشفيات والمدارس والطرق؟

ثالثاً: مؤسسات الدولة – تنافس على النهب تحت قبة الشرعية

الأمر الأكثر إثارة للغضب في تقرير المصرف المركزي هو حجم النفقات المخصصة للمؤسسات التشريعية والتنفيذية، في وقت يعاني فيه المواطن الليبي من أبسط مقومات الحياة. فقد أظهرت البيانات أن مجلس النواب أنفق خلال أول تسعة أشهر من عام 2026 أكثر من 61 مليون دينار، في حين بلغ إنفاق الجهات التابعة له مليارًا و638 مليون دينار، كما أنفق المجلس الأعلى للدولة ما يزيد عن 48 مليون دينار.

ولم يكن المجلس الرئاسي بمعزل عن هذا النزيف المالي، حيث بلغ إنفاقه أكثر من 31 مليون دينار، فيما تجاوز إنفاق الجهات التابعة له 456 مليون دينار.

أما حكومة “الدبيبة ” منتهية الولاية، فحدث ولا حرج. فقد أنفق عبد الحميد الدبيبة، بصفته رئيسًا للوزراء، أكثر من 180 مليون دينار، في حين بلغ إنفاق الجهات التابعة له 3 مليارات و194 مليون دينار.

لكن الصدمة الحقيقية تكمن في أنه، بصفته وزيرًا للدفاع، أنفق 8 مليارات و530 مليون دينار، وبصفته وزيرًا للخارجية مليارًا و716 مليون دينار. هذه الأرقام تشير إلى تضخم غير مسبوق في نفقات مؤسسة الدفاع، في وقت لا تزال فيه قضايا السيادة والأمن الوطني معلقة.

وفي السياق ذاته، أنفق عماد الطرابلسي في وزارة الداخلية أكثر من 5 مليارات و927 مليون دينار، وهو رقم يثير تساؤلات جدية حول أوجه إنفاقه في ظل تدهور الأوضاع الأمنية.

ولم تكن وزارة النفط والغاز بمنأى عن هذا النهم، حيث بلغ إنفاقها والجهات التابعة لها أكثر من 8 مليارات و487 مليون دينار، في حين أنفقت الشركة العامة للكهرباء ما يزيد عن 3 مليارات و32 مليون دينار.

فماذا جنى المواطن من هذه المليارات؟ لا كهرباء مستقرة، ولا محروقات كافية، ولا حتى خدمات نفطية تعود بالنفع على المجتمع المحلي.

رابعاً: الصحة والأوقاف – أرقام تدعو للريبة

خصصت وزارة الصحة والجهات التابعة لها ما يزيد عن 4 مليارات و642 مليون دينار، وهو مبلغ ضخم كان يُفترض أن يحوّل المستشفيات الليبية إلى مؤسسات علاجية حديثة.

لكن الواقع يقول إن الليبيين لا يزالون يُعالجون في الخارج، بل إن 44.8 مليون دولار فقط خُصصت للعلاج بالخارج و190.9 مليون دولار لجهاز الإمداد الطبي. فلماذا لا تُعالج جذور المشكلة بدلًا من استنزاف النقد الأجنبي في علاجات خارجية؟

أما رئيس الهيئة العامة للأوقاف، محمد العباني، فقد أنفق أكثر من 261 مليون دينار خلال الأشهر التسعة الماضية.

رقم مذهل لمؤسسة دينية يُفترض أن تكون بعيدة عن البذخ، ويطرح أسئلة مشروعة حول أوجه صرف هذه المبالغ.

خاتمة: نحو كشف الحساب

إن تقرير مصرف ليبيا المركزي، بكل ما يحمله من أرقام صادمة، هو دعوة مفتوحة لكل الليبيين لرفع الصوت عاليًا. فما يجري ليس مجرد سوء إدارة، بل هو نهب منظم للمال العام تحت مظلة الشرعية.

من حق الشعب الليبي أن يعرف إلى أين تذهب أمواله، ومن حقه أن يحاسب من أهدرها.

إن استمرار هذا النهج في الإنفاق سيؤدي حتمًا إلى انهيار الاقتصاد الوطني، وانهيار قيمة الدينار، وانهيار ما تبقى من مقومات الدولة. والمسؤولية هنا تضامنية بين كل من المجلس الرئاسي ومجلسي النواب والدولة والحكومة منتهية الولاية.

إنها مسؤولية تاريخية وأخلاقية وقانونية. والمواطن الليبي المكلوم، الذي ينتظر منذ سنوات تحسينًا حقيقيًا في حياته، لم يعد يتحمل المزيد من الوعود الفارغة والأرقام المرعبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى