غير مصنف

تيتيه أمام مجلس الأمن: اتفاق الاجتماع المصغر يمهد لانتخابات ليبية خلال 24 شهرًا

أكدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، إحراز تقدم في المسار السياسي الذي تيسّره بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، مشيرة إلى أن اتفاق الاجتماع المصغر، الموقع في طرابلس في 30 أغسطس الماضي، يطرح مسارًا قابلًا للتنفيذ نحو إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال 24 شهرًا، تحت مظلة سلطة تنفيذية موحدة، رغم استمرار الخلافات بشأن آليات تنفيذه والمصادقة عليه.

وخلال إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا، أوضحت تيتيه أن الاتفاق حظي بتأييد عدد من الأطراف الليبية والدولية، باعتباره خطوة لمعالجة الجمود السياسي والمؤسسي، مؤكدة أن تحقيق تقدم مستدام يتطلب توافقًا بشأن القضايا الدستورية والقانونية، وتوحيد المؤسسات، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات سلمية وشاملة وذات مصداقية.

خلافات بشأن المصادقة على الاتفاق وآليات تنفيذه

وبيّنت تيتيه أن الاتفاق ينص على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة المسائل الخلافية في الإطار الدستوري والقانوني التي قد تؤثر على العملية الانتخابية، إلى جانب استكمال إجراءات المصادقة عليه من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خلال شهر من توقيعه.

وأشارت إلى أن مجلس النواب صادق على الاتفاق في 14 سبتمبر، قبل أن يُبلغ رئيسه البعثة في 28 سبتمبر باعتماد قوانين وقرارات تتعلق بالاتفاق وتعديله وتشكيل مجلس إدارة المفوضية الانتخابية.

في المقابل، رفض المجلس الأعلى للدولة الاتفاق في 5 أكتوبر، إلى جانب القوانين والقرارات المحالة من رئيس مجلس النواب، مستندًا إلى اعتراضات تتعلق بالأطر الدستورية والقانونية والتوافقية المنظمة للعملية السياسية وصلاحيات المجلسين.

وأضافت أن عددًا من أعضاء المجلس الأعلى للدولة أبدوا استعدادهم للانخراط في الاتفاق، وطلبوا مزيدًا من الوقت للتشاور بشأن الخطوات المقبلة، مؤكدة أن البعثة ستواصل اتصالاتها بالأطراف المعنية، وستبحث خلال اجتماعاتها المقبلة خيارات لتعزيز المشاركة الوطنية، بما في ذلك آلية ذات تمثيل واسع وفقًا للمادة الخامسة من الاتفاق.

وشددت تيتيه على ضرورة احترام روح التوافق في الإجراءات القانونية والتنفيذية المرتبطة بالاتفاق، محذرة من السماح للخلافات السياسية بتعطيل المسار الرامي إلى إنهاء الانقسام المؤسسي.

توحيد القضاء واستكمال متطلبات الانتخابات

وأكدت الممثلة الأممية أن اتفاق الاجتماع المصغر يمثل أساسًا يمكن البناء عليه، لكنه لا يشكل الآلية الوحيدة التي ستعتمدها البعثة لتنفيذ أهداف خارطة الطريق السياسية، موضحة أن الانتخابات لا يمكن فصلها عن التحديات المؤسسية الأوسع، وفي مقدمتها انقسام السلطة القضائية.

ورحبت بقرار الأطراف المشاركة في الاجتماع المصغر بحث خطوات عملية، بالتعاون مع خبراء قانونيين وقضائيين ليبيين، لمعالجة هذا الانقسام وضمان استقلال القضاء وتوفير ضمانات قانونية متسقة تحمي نزاهة الانتخابات الوطنية.

وأشارت إلى أن البعثة تعتزم مواصلة العمل مع مختلف الأطراف الليبية بشأن الأولويات المرتبطة بتوحيد المؤسسات وتهيئة الظروف الانتخابية، بالاستناد إلى توصيات اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، مع التأكيد على أهمية استمرار الدعم الدولي والإقليمي للعملية السياسية.

وفي سياق التطورات المؤسسية، أشادت تيتيه بانتخاب الصالحين عبد النبي رئيسًا جديدًا لمجلس النواب في 6 أكتوبر، عقب تعديل المجلس نظامه الداخلي في اليوم السابق، بما يشمل اعتماد رئاسة دورية مدتها 12 شهرًا. كما أعربت عن تقديرها لعقيلة صالح، الرئيس السابق للمجلس، على فترة قيادته التي امتدت 12 عامًا، مؤكدة تطلع البعثة إلى التعاون مع الرئاسة الجديدة لدفع خارطة الطريق السياسية قدمًا.

تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة دعم الوقود

وعلى الصعيد الاقتصادي، حذرت تيتيه من استمرار تأثير الانقسام السياسي والمؤسسي على الأوضاع المعيشية، مشيرة إلى تآكل القدرة الشرائية لليبيين بفعل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وضعف قيمة الدينار، في وقت تجاوز فيه التضخم 14%، وفق البيانات التي عرضتها أمام المجلس.

وأضافت أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة 3.8% خلال أغسطس وحده، مع ضغوط أشد في المنطقتين الغربية والجنوبية، حيث شهدت تكاليف الغذاء ارتفاعًا ملحوظًا خلال فصل الصيف، بالتزامن مع استمرار صعوبات الحصول على الخدمات العامة الأساسية.

وسلطت الإحاطة الضوء على ملف دعم الوقود باعتباره أحد أبرز مصادر الضغط على المالية العامة، إذ بلغ إجمالي واردات الوقود الليبية، وفق الأرقام الواردة فيها، 8.15 مليون طن متري خلال الفترة الممتدة من يناير إلى سبتمبر 2026، بتكلفة بلغت 8.9 مليار دولار.

وقدّرت تيتيه أن ما بين 30% و50% من هذه الواردات ربما فُقد بسبب التهريب، بما يعادل خسائر تتراوح بين 2.4 و4.4 مليار دولار، موضحة أن استمرار هذه الممارسات يفاقم الأعباء المالية على الدولة، ويحرم المواطنين والمؤسسات الحيوية من إمدادات الوقود، ويحد من قدرة السلطات على الوفاء بالتزاماتها، بما يشمل الرواتب وصيانة البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية.

ودعت، في هذا السياق، إلى التنفيذ الكامل لبرنامج التنمية الموحد، بهدف تعزيز التنسيق في الإنفاق العام والاستثمارات التنموية على مستوى البلاد، بما يدعم معالجة الاختلالات الاقتصادية والمؤسسية.

إغلاقات النفط تهدد الإيرادات العامة وتوليد الكهرباء

وفي ما يتعلق بقطاع النفط، أشارت تيتيه إلى أن إغلاق خط الأنابيب الرابط بين حقل حمادة والزاوية خلال الفترة من 15 إلى 20 سبتمبر، ثم خط حقل الشرارة إلى الزاوية بين 21 و26 سبتمبر، أظهر حجم التأثير الاقتصادي للخلافات المرتبطة بالتعيينات والانقسامات الأمنية.

ووفق الإحاطة، ارتبطت هذه التحركات بأفراد من حرس المنشآت النفطية من الزنتان، وأسفرت الاضطرابات عن خسارة نحو مليون برميل من الإنتاج، بقيمة تقدر بنحو 100 مليون دولار، مع تهديدات محتملة لصرف المرتبات وتوليد الطاقة الكهربائية.

وحذرت الممثلة الأممية من أن الاعتداءات على منشآت النفط والطاقة أو الأفعال التي تضعفها قد تشكل أساسًا لاتخاذ تدابير بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، في إشارة إلى أهمية حماية الأصول الوطنية الاستراتيجية من التجاذبات السياسية والأمنية.

كما ربطت بين ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاوت مرتبات القطاع العام وتصاعد السخط الشعبي، لافتة إلى تنظيم أطباء وعاملين في قطاعي الصحة والتعليم احتجاجات وإضرابات خلال سبتمبر، اعتراضًا على تأخر زيادات الرواتب وظروف العمل والعلاوات.

وأضافت أن إضراب المعلمين على مستوى البلاد، الذي بدأ في 27 سبتمبر، أدى إلى تأخير انطلاق العام الدراسي لنحو 1.6 مليون طالب في المدارس الحكومية، ما يعكس امتداد تداعيات الأزمة المالية والإدارية إلى الخدمات العامة.

تعاون عسكري بين الشرق والغرب وسط هشاشة أمنية

وفي الملف الأمني، وصفت تيتيه الوضع العام بأنه لا يزال هشًا، لكنها رحبت بالخطوات الرامية إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات العسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها، بما يدعم بناء الثقة وتبادل المعلومات وتنسيق الجهود.

وأوضحت أن اجتماع رئيسي الأركان العامة، خالد حفتر وصلاح الدين النمروش ، في سرت يوم 12 يوليو، أعقبه اجتماع لقيادات القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي في المدينة نفسها في 9 سبتمبر، لبحث سبل التعاون العملي وإعادة توحيد هذه القطاعات.

كما أشارت إلى صدور قرارات لتفعيل مركزي تبادل المعلومات والتنسيق بشأن تأمين الحدود في بنغازي وطرابلس، بمشاركة أفراد من الجيش الوطني الليبي والقوات التابعة لحكومة الدبيبة ، إلى جانب تنظيم تدريبات للفريق الفني المشترك واستكمال الترتيبات اللازمة لتشغيل المركزين.

تحذير من خطاب الكراهية ضد المهاجرين والعاملين الإنسانيين

وفي ختام إحاطتها، أعربت تيتيه عن قلقها إزاء انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية والتحريض الذي يستهدف اللاجئين والمهاجرين والعاملين في المجال الإنساني ووكالات الأمم المتحدة وموظفيها في ليبيا.

وأكدت أن معالجة المخاوف المرتبطة بالهجرة يجب أن تتم عبر سياسات مسؤولة وحوار ومعلومات موثوقة، وليس من خلال الترهيب أو العنف، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة تحترم سيادة ليبيا ولا تعمل على تسهيل التوطين الدائم للمهاجرين أو اللاجئين داخل أراضيها.

ودعت السلطات إلى تكثيف الجهود لمواجهة التحريض وضمان سلامة المهاجرين والعاملين الإنسانيين وموظفي الأمم المتحدة ومقارها، ومنع تكرار الاعتداءات، مع التشديد على أن عدم انضمام ليبيا إلى اتفاقية اللاجئين لعام 1951 لا يعفيها من التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، بما يشمل الحماية من الاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة والإعادة القسرية.

دعوة إلى تسريع المسار السياسي ومحاسبة المعرقلين

واختتمت تيتيه إحاطتها بالتأكيد على أن اتفاق الاجتماع المصغر والتقدم المحرز خلال الأشهر الأخيرة يمثلان محطتين مهمتين، غير أن استمرار رفض بعض الأطراف الانخراط بصورة بناءة، إلى جانب خطاب التحريض والمعلومات المضللة، يهدد بتصلب المواقف وتقويض فرص التوصل إلى تسويات سياسية.

وشددت على أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق المشاركة في العملية السياسية، والعمل على تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية في بيئة مستقرة نسبيًا، وتوحيد المؤسسات وتعزيز قدرتها على أداء مسؤولياتها.

كما دعت مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم خارطة الطريق السياسية، وتوفير الحوافز والضمانات اللازمة لتشجيع الأطراف الليبية على تجاوز الانقسامات، إلى جانب محاسبة المعرقلين، مؤكدة أن إحراز تقدم يتطلب مرونة وإرادة سياسية والتزامًا سريعًا بالاستحقاقات المتفق عليها.

واعتبرت أن الوصول إلى ليبيا مستقرة وموحدة ومزدهرة يظل هدفًا ممكنًا، لكنه يرتبط بقدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى أرضية مشتركة، والاستجابة لتطلعات الليبيين إلى السلام والاستقرار والحكم الديمقراطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى