ليبيا

اليمن.. قتال تعز يفاقم أزمة المياه والنظافة ويهدد بتفشي الأمراض

تراجع إنتاج المياه 50% وارتفاع إصابات الكوليرا مع تعطل الإمدادات ونقص الوقود

تواجه مدينة تعز اليمنية ومحيطها تدهورًا متسارعًا في الأوضاع الإنسانية، مع تجدد القتال الذي أدى إلى قطع طرق الإمداد وتعطيل وصول الوقود، ما انعكس مباشرة على إمدادات المياه والخدمات الصحية وجمع النفايات، ورفع المخاوف من انتشار الأمراض في المدينة ومناطق النزوح المجاورة.

وتشير إفادات منظمات الإغاثة ووكالات الأمم المتحدة إلى أن الأزمة تجاوزت نقص الاحتياجات الأساسية، لتطال قدرة السكان على الحصول على مياه الشرب والرعاية الصحية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المرافق الطبية وتواجه فيه الأسر صعوبات متنامية في تأمين الغذاء والمياه.

وأدى القتال بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمدعومة من السعودية، وجماعة الحوثي المتحالفة مع إيران، إلى تعطيل طرق إمداد رئيسية، بينها طريق تعز–عدن، ما فاقم نقص الوقود والغذاء والمياه في المدينة التي تحاصرها الجماعة المسلحة حاليًا.

نقص الوقود يخفض إنتاج المياه

تسببت اضطرابات إمدادات الوقود، خصوصًا الديزل اللازم لتشغيل الآبار ومحطات الضخ، في دفع الأسر إلى ترشيد استهلاك المياه، بينما تراجعت قدرة شبكات الإمداد على تلبية احتياجات السكان. وأفادت منظمة إنقاذ الطفل بأن إنتاج المياه في تعز انخفض بنحو 50%، في مؤشر على اتساع الفجوة بين المتاح من المياه والاحتياجات اليومية.

وقال ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في اليمن، أخيل آير، إن نقص الديزل يعرقل تشغيل محطات الضخ وشبكات الصرف الصحي، فيما أوضح مدير عام مؤسسة المياه في محافظة تعز، وثيق الأغبري، أن انقطاع الوقود وتوقف وصول صهاريج المياه القادمة من منطقة الضباب أسهما في تفاقم الأزمة.

وتعتمد قطاعات واسعة من السكان على المياه المنقولة بالشاحنات، ما يجعل تعطل الطرق وارتفاع تكاليف النقل عاملين إضافيين في تقليص فرص الحصول على المياه. ووفقًا لليونيسف، ارتفعت تكلفة شاحنة المياه من نحو 23 ألف ريال يمني، بما يعادل 14.80 دولار، قبل التصعيد الأخير، إلى نحو 70 ألف ريال، أو 45 دولارًا، أي ما يقارب ثلاثة أمثال التكلفة السابقة.

وتعكس هذه الزيادة كيف يتحول نقص الوقود وتعطل الإمدادات إلى عبء اقتصادي مباشر على الأسر، خصوصًا النازحين والفئات الأكثر ضعفًا، الذين تتراجع قدرتهم على شراء المياه مع ارتفاع أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية.

تراكم النفايات يرفع المخاطر الصحية

بالتوازي مع أزمة المياه، أدى توقف خدمات جمع النفايات إلى تراكم القمامة على الطرق الرئيسية وفي الشوارع، بعدما تعذر نقلها إلى المكب الرئيسي بسبب الاشتباكات. وأفاد عاملون في القطاع بأن السلطات اضطرت إلى حرق بعض النفايات في الشوارع، في ظل تعذر استمرار عمليات النقل المعتادة.

وحذر مدير مكتب الصحة بمحافظة تعز، عبد الرحمن الصبري، من أن تراكم القمامة قد يؤدي إلى انتشار أمراض تنفسية وغيرها، مشيرًا إلى رصد حالات من حمى الضنك والكوليرا.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ظل تراجع خدمات المياه والصرف الصحي، إذ يؤدي تدهور البيئة الصحية إلى زيادة مخاطر انتقال الأمراض، بينما يحد نقص الوقود والأدوية من قدرة المرافق الطبية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وذكرت منظمة الصحة العالمية أن حالات الإصابة بالكوليرا ارتفعت من 221 حالة في أوائل سبتمبر إلى 683 حالة خلال الشهر الجاري، أي إلى أكثر من ثلاثة أمثال المستوى المسجل في بداية الفترة. كما حذرت من أن مخزون الوقود في 12 منشأة صحية لا يكفي سوى لأربعة أيام، في وقت يواجه فيه بعض السكان صعوبة في الوصول إلى المرافق الطبية بسبب القتال.

الأطفال والنازحون في دائرة الخطر

تمتد تداعيات الأزمة إلى الأطفال والنازحين، مع تراجع القدرة على تأمين المياه والغذاء والرعاية الصحية. وقالت مديرة منظمة إنقاذ الطفل في اليمن، ريشانا حنيفة، إن الأطفال يواجهون وضعًا بالغ الخطورة نتيجة عجز الأسر عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وتستضيف محافظة تعز، بحسب منظمات الإغاثة، ما يقرب من نصف النازحين المرتبطين بالتصعيد الأخير، والبالغ عددهم نحو 250 ألف شخص. كما حذر المجلس الدنماركي للاجئين من أن تدهور خدمات المياه والصرف الصحي قد يمتد أثره إلى مواقع النزوح المكتظة في محافظات تعز ولحج وأبين وعدن، حيث تتزايد الضغوط على الموارد المحدودة.

وتزداد المخاطر مع تعطل وصول المساعدات الغذائية العلاجية المخصصة للأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد. وأفادت اليونيسف بأنها رصدت 52 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد في محافظة تعز منذ مطلع العام، محذرة من أن انتشار الأمراض قد يزيد من تفاقم الجوع ويضاعف الأعباء الصحية على الأطفال.

الاستجابة الإنسانية مرهونة بفتح الطرق

في مواجهة الأزمة، تبحث منظمات الإغاثة عن مصادر بديلة للمياه، من بينها خزان جوفي ضحل غرب المدينة، بينما تشير التحذيرات الميدانية إلى أن هذه التدابير قد لا تكون كافية لتعويض تعطل الإمدادات الرئيسية وارتفاع تكاليف النقل.

وتكشف تطورات تعز عن ترابط مباشر بين استمرار القتال وتعطل الخدمات الأساسية؛ فإغلاق الطرق لا يقتصر أثره على حركة الإمدادات، بل يمتد إلى تشغيل المستشفيات ومحطات المياه وجمع النفايات، بما يضاعف المخاطر الصحية والغذائية على السكان.

وفي ظل تراجع إنتاج المياه، وارتفاع تكاليف الحصول عليها، وزيادة حالات الكوليرا، يصبح ضمان وصول الوقود والمياه والمساعدات الطبية والغذائية أولوية إنسانية عاجلة، فيما يظل استمرار الاشتباكات والعوائق أمام الإمدادات عاملين رئيسيين يهددان بتوسيع نطاق الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى