قنابل وهمية وبلاغات متكررة.. مطارات أوروبا في مواجهة تهديدات «الحرب الهجينة»
نحو 30 رحلة جوية تتعرض لتهديدات أمنية في أوروبا خلال أيام
ليبيا 24:
تشهد القارة الأوروبية تصعيدًا في التهديدات الأمنية التي تستهدف حركة الطيران، بعد تعرض عشرات الرحلات الجوية لبلاغات بوجود قنابل خلال الأيام الأولى من نوفمبر الجاري، في حوادث متكررة دفعت السلطات إلى رفع حالة التأهب الأمني، وتنفيذ عمليات تفتيش وتحويل مسارات بعض الطائرات، وسط تساؤلات بشأن احتمال ارتباطها بحملة منظمة تستهدف إرباك المؤسسات الحيوية واختبار قدرات الأجهزة الأمنية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من اتساع نطاق ما يُعرف بـ«الحرب الهجينة»، التي تعتمد على وسائل غير تقليدية، تشمل التهديدات الأمنية والهجمات الإلكترونية وعمليات التخريب، بهدف إحداث اضطراب اقتصادي ونفسي دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
نحو 30 رحلة جوية تحت التهديد
وشهدت الأيام الماضية موجات متتالية من البلاغات الأمنية، طالت قرابة 30 رحلة جوية حتى نهاية الخميس 5 نوفمبر، بعد تسجيل تهديدات سابقة شملت سبع رحلات على الأقل وسفينة سياحية يوم الثلاثاء.
وامتدت الحوادث إلى مطارات في إيطاليا وفرنسا وبلجيكا والتشيك والدنمارك وإسبانيا وبولندا وبلغاريا، حيث اضطرت بعض الطائرات إلى تغيير مساراتها أو تنفيذ هبوط غير مخطط له، فيما رافقت مقاتلات عسكرية طائرات أخرى خلال رحلاتها.
وفي أحدث التطورات، الجمعة 6 نوفمبر، أعلنت السلطات الدنماركية التحقيق في تهديدات استهدفت حركة الطيران بمطار كوبنهاغن، بينما سجلت الشرطة التشيكية بلاغات طالت تسع رحلات قادمة إلى مطار براغ أو مغادرة منه.
كما أعلنت السلطات الفرنسية تلقي أربعة تهديدات جديدة استهدفت طائرات في أجوائها، في حين جرى تحويل رحلة تابعة لشركة «ويز إير» من براغ إلى روما نحو مدينة البندقية، حيث هبطت بسلام.
وأكدت السلطات عدم العثور على مواد متفجرة أو أجهزة مشبوهة في الطائرات التي خضعت للتفتيش، وأن الرحلات المعنية وصلت إلى وجهاتها بسلام.
الحرب الهجينة.. أسلوب جديد لإرباك أوروبا
وتثير هذه الحوادث مخاوف من تحول البلاغات الكاذبة إلى وسيلة ضغط أمني واقتصادي، خصوصًا مع تكرارها خلال فترة زمنية قصيرة وتشابه بعض الرسائل الإلكترونية المستخدمة في توجيه التهديدات.
وتقوم فكرة الحرب الهجينة على الجمع بين أدوات متعددة، مثل الهجمات السيبرانية والتضليل الإعلامي والتخريب والضغط على البنية التحتية، بما يؤدي إلى استنزاف المؤسسات الأمنية والاقتصادية وإضعاف ثقة المواطنين في قدرة السلطات على حماية المنشآت الحيوية.
وفي هذا السياق، اعتبر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن تكرار الحوادث وتشابه أساليب تنفيذها يثيران احتمال تعرض أوروبا لما وصفه بـ«عدوان هجين» وحرب نفسية، مشددًا على ضرورة الاستعداد لمواجهة مثل هذه التحديات.
مَن يقف وراء التهديدات؟
رغم تعدد الفرضيات بشأن الجهات المحتملة المسؤولة عن الحوادث، لم تعلن أي حكومة أوروبية حتى الآن تحديد هوية المنفذين، كما لم يتم التحقق من صحة أي إعلان للمسؤولية.
وتضمنت بعض رسائل التهديد الموجهة إلى مؤسسات طيران إيطالية إشارات إلى جماعة «دولة الرجال» الروسية المحظورة، غير أن مؤسس الحركة نفى ارتباطها بالوقائع، فيما لم تتمكن التحقيقات من إثبات مصدر الرسائل أو الجهة التي أرسلتها.
وتتجه بعض التقديرات الأمنية إلى دراسة احتمال ارتباط هذه الوقائع بعمليات تخريب أوسع شهدتها أوروبا مؤخرًا، شملت منشآت كهربائية ومرافق دفاعية وأنظمة تبريد في متاجر ومواقع حيوية.
كما تبرز فرضية تورط جهات تمتلك قدرات تقنية واستخباراتية متقدمة، إلا أن هذه الاحتمالات لا تزال في إطار التقييم والتحليل، ولا توجد أدلة معلنة تثبت مسؤولية دولة أو تنظيم بعينه.
التهديدات تتجاوز المطارات إلى المؤسسات الإعلامية
ولم تعد التطورات مقتصرة على قطاع الطيران، إذ تلقت مؤسسات إعلامية في أيرلندا وبلغاريا وبريطانيا رسائل تهديد بوجود قنابل، ما دفع هيئة الإذاعة الأيرلندية «RTÉ» إلى إخلاء مقارها كإجراء احترازي، فيما أعلنت شبكة «سكاي» البريطانية تلقيها تهديدًا أمنيًا.
ويثير امتداد البلاغات إلى المؤسسات الإعلامية تساؤلات بشأن اتساع نطاق الحملة المحتملة، وما إذا كانت تستهدف إحداث حالة عامة من الارتباك تتجاوز قطاع النقل الجوي إلى المؤسسات المدنية والإعلامية.
خسائر اقتصادية واختبار للجاهزية الأمنية
ولا تقتصر تداعيات هذه التهديدات على الإجراءات الأمنية، إذ تفرض عمليات تحويل مسارات الطائرات وتأخير الرحلات وإخلاء الركاب أعباء مالية وتشغيلية على شركات الطيران والمطارات.
وتشير تقديرات خبراء الطيران إلى أن تكلفة تحويل الرحلة الواحدة قد تصل إلى 250 ألف دولار في بعض الحالات، بحسب ظروف الرحلة ومدى التأخير والإجراءات المصاحبة.
كما يرى خبراء أن تكرار البلاغات قد يمثل اختبارًا عمليًا لسرعة استجابة الأجهزة الأمنية، ومستوى التنسيق بين الدول الأوروبية، وقدرتها على تبادل المعلومات والتعامل مع تهديدات متزامنة دون تعطيل حركة النقل بصورة واسعة.
المفوضية الأوروبية أمام تحدي التنسيق الأمني
وفي مواجهة هذه التطورات، عززت الجهات الأوروبية إجراءات تبادل المعلومات والتنسيق بين المطارات والأجهزة الأمنية، بالتزامن مع استمرار التحقيقات الفنية والجنائية لتحديد مصادر الرسائل والجهات المحتملة وراءها.
وتكشف موجة التهديدات الحالية عن تحدٍ أمني يتجاوز التعامل مع بلاغات القنابل الوهمية، ليشمل حماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين حركة الطيران، ومواجهة أساليب الضغط الرقمي والنفسي التي قد تستنزف الموارد وتؤثر في ثقة الجمهور.
وبين احتمالات التخريب المنظم والتقليد الفردي، تبقى هوية الجهات المسؤولة والسياق الحقيقي لهذه الحوادث غير محسومين، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات الأوروبية خلال الفترة المقبلة.



