غير مصنف

 تأخر مرتبات أكتوبر يربك 2.5 مليون موظف في ليبيا وسط تعثر توحيد الأجور

خلافات بشأن الجدول الموحد تعيد الصرف إلى الآلية السابقة

واجه نحو 2.5 مليون موظف في القطاع العام الليبي تأخراً في صرف مرتبات شهر أكتوبر، وسط ارتباك في الإجراءات المالية والإدارية، عقب تعثر التوافق على اعتماد جدول المرتبات الموحد، الذي كان مقرراً بدء تطبيقه خلال الشهر الجاري، ما أعاد ملف الأجور إلى دائرة الخلافات بشأن آليات التوحيد وكلفة الالتزامات المالية المترتبة عليه.

وتسبب عدم حسم الصيغة النهائية للجدول في تعطيل إجراءات إعداد المرتبات خلال الأسبوع الماضي، بعدما انتظرت إدارة الميزانية بوزارة المالية بحكومة الوحدة الوطنية احتمال اعتماد النظام الجديد وصرف المستحقات بموجبه، قبل أن تستأنف العمل وفق الآلية السابقة التي طُبقت في صرف مرتبات سبتمبر الماضي.

تعثر الجدول الموحد يعطل إجراءات الصرف

ويأتي التأخير رغم إعلان رئيس حكومة الوحدة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة، في السادس من أكتوبر الماضي، اعتماد جدول موحد للمرتبات يتضمن زيادة بنسبة 10% مقارنة بالجدول السابق، مع التأكيد على بدء تطبيقه اعتباراً من مرتبات الشهر نفسه.

لكن المشروع واجه خلافات تتعلق بتفاصيله الفنية والمالية وكلفته الإجمالية، ما دفع لجنتي الشؤون المالية بمجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى عقد اجتماع في الأول من نوفمبر الجاري، بحضور محافظ مصرف ليبيا المركزي فوزي أبو خزام، ووزير المالية راشد أبو غفة، وعدد من المسؤولين، لمراجعة الملاحظات المتعلقة بالمقترح، تمهيداً لإعداد تقرير يعرض على مجلس النواب.

وفي الثاني من نوفمبر، نشرت وزارة مالية الدبيبة مقترح مشروع قانون نظام المرتبات الموحد، متضمناً جداول الدرجات الوظيفية والمرتبات الأساسية والعلاوات المقترحة، في خطوة تهدف إلى استكمال النقاش بشأن الصيغة التشريعية والتنظيمية للنظام الجديد.

فاتورة الأجور تضغط على المالية العامة

ولا تقتصر تداعيات الخلاف على تأخر المستحقات الشهرية، بل تمتد إلى التحديات المرتبطة بحجم الإنفاق العام وقدرة المالية الليبية على استيعاب الزيادات المقترحة، خصوصاً في ظل اعتماد الموازنة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.

وأظهرت بيانات الإنفاق العام بلوغ نفقات المرتبات نحو 60.6 مليار دينار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بمتوسط شهري يقارب 6.7 مليارات دينار. واستمرار الإنفاق بالمعدل نفسه قد يرفع فاتورة الأجور السنوية إلى نحو 80.8 مليار دينار، دون احتساب أي زيادات أو التزامات مالية جديدة.

وتبرز هذه الأرقام حجم بند المرتبات في هيكل الإنفاق الحكومي، خصوصاً مع تقديرات تشير إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يبلغ نحو 2.5 مليون موظف، بما يعادل قرابة 30% من إجمالي السكان، وهو ما يعكس اتساع دور الدولة في سوق العمل وثقل الالتزامات الوظيفية على الموازنة.

وفي هذا السياق، حذر الخبير المالي عبد الحكيم عامر غيث من ربط الالتزامات المالية الجديدة بالارتفاعات الاستثنائية في أسعار النفط، داعياً إلى بناء التقديرات المالية على متوسط سعر يبلغ 60 دولاراً للبرميل، مع مراعاة احتمالات تراجع الإنتاج أو توقفه نتيجة الاضطرابات وإغلاق الحقول والموانئ.

ويرى غيث أن زيادة المرتبات، رغم ارتباطها بتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، تتطلب ضمان استدامة مصادر التمويل واستقرار الدينار، إلى جانب تعزيز الإنتاج الفعلي من النفط والغاز. وتستهدف ليبيا الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً بحلول مطلع عام 2031، وفق تصريحات سابقة لرئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان.

وفي المقابل، يطرح ملف توحيد الأجور تحدياً يتعلق بمعايير العدالة الوظيفية، إذ يرى أستاذ الاقتصاد بالجامعة الليبية عادل المقرحي أن توحيد النظام لا يعني منح جميع الموظفين مرتبات متساوية، وإنما وضع معايير موضوعية تراعي المؤهلات العلمية وطبيعة الوظائف والمخاطر المهنية وساعات العمل، مع الحفاظ على الحقوق المالية المكتسبة.

كما يشير المقرحي إلى أن زيادة الأجور الاسمية لا تضمن بالضرورة تحسناً مماثلاً في القوة الشرائية، إذا تزامنت مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات أو تراجع قيمة الدينار، ما يجعل الأثر الفعلي لأي زيادة مرتبطاً بقدرة السياسات المالية والنقدية على احتواء التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار

.وبين تعثر اعتماد الجدول الموحد واستمرار الصرف وفق الآلية السابقة، يظل ملف المرتبات مرتبطاً بمسارين متداخلين: انتظام صرف المستحقات الشهرية لملايين الموظفين، والتوصل إلى صيغة موحدة للأجور تراعي الفوارق الوظيفية ولا تتجاوز قدرة المالية العامة على تحمل تكلفتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى