نزف الكفاءات الليبية إلى الخارج يستنزف الاقتصاد ويحرم البلاد من عوائد التنمية
هجرة الأطباء والمهندسين والأكاديميين تتفاقم بفعل الانقسام المؤسسي

يواجه الاقتصاد الليبي تحدياً متزايداً مع استمرار هجرة الكفاءات والخبرات البشرية إلى الخارج، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قدراتها المهنية والعلمية لدعم مسارات التنمية وإعادة بناء المؤسسات.
ولا تقتصر تداعيات هذا النزيف على فقدان أصحاب التخصصات والخبرات، بل تمتد إلى تراجع العوائد الاقتصادية من الاستثمار في التعليم والتأهيل، وحرمان القطاعات الحيوية من خبرات يصعب تعويضها، بالتزامن مع غياب بيانات رسمية دقيقة تقيس حجم الظاهرة وتكلفتها.
وتفاقمت هجرة الكفاءات في ظل استمرار الانقسامات السياسية والمؤسسية، وما صاحبها من اضطرابات أمنية واختلالات في بيئة العمل والتمويل والخدمات. وبينما تتجه دول عديدة إلى استقطاب الخبرات الأجنبية والاستفادة من الكفاءات المهاجرة، لا تزال ليبيا تواجه صعوبات في الاحتفاظ بمواردها البشرية أو بناء قنوات مؤسسية تتيح الاستفادة من خبرات أبنائها في الخارج.
غياب التحويلات يعمق خسائر الاقتصاد
لا تتوافر مؤشرات رسمية دقيقة صادرة عن مصرف ليبيا المركزي أو البنك الدولي توضح حجم التحويلات المالية التي ترسلها الكفاءات الليبية في الخارج إلى البلاد، أو نسبة مساهمتها في الاقتصاد المحلي. وبحسب آخر البيانات المسجلة في قاعدة البنك الدولي، تبدو تحويلات الكفاءات الليبية منعدمة مقارنة ببعض دول الجوار، ومنها تونس.
ويربط المستشار السابق لمصرف ليبيا المركزي خالد الهباوي محدودية هذه التحويلات بطبيعة النظام المصرفي الليبي، الذي لا يزال يعاني البيروقراطية، مشيراً إلى أن كثيراً من الليبيين المقيمين بالخارج يفضلون إيصال الأموال إلى ذويهم بصورة مباشرة بدلاً من استخدام القنوات المصرفية، خصوصاً منذ عام 2011.
ويوضح الهباوي أن الكفاءات الليبية تتركز بصورة أكبر في بريطانيا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة، في حين لا تتضمن تقارير المصرف المركزي ووزارة المالية أرقاماً واضحة بشأن التحويلات المالية المرتبطة بهذه الفئة.
ويمثل غياب البيانات تحدياً أمام تقدير العوائد التي يمكن أن تحققها الكفاءات المهاجرة للاقتصاد الليبي، سواء عبر التحويلات المالية أو الاستثمار أو نقل الخبرات والتكنولوجيا. كما يحول دون وضع تصور دقيق للخسائر المرتبطة بهجرة أصحاب التخصصات التي أنفقت الدولة موارد مالية على تعليمهم وتأهيلهم.
وتبرز تكلفة تأهيل الأطباء مثالاً على هذا الاستنزاف، إذ يتطلب إعداد الكوادر الطبية سنوات من الدراسة والتدريب والإنفاق، بما يشمل موارد مالية بالعملة الصعبة، قبل أن تنتقل خبراتهم إلى مؤسسات صحية خارج البلاد. وفي المقابل، تضطر ليبيا إلى التعاقد مع جهات ودول أخرى لتوفير بعض الخدمات العلاجية التي كان يمكن أن تسهم الكفاءات الوطنية في تقديمها.
الأطباء والمهندسون في مقدمة التخصصات المهاجرة
وتشير بيانات تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025 إلى أن معدل اغتراب الأطباء الليبيين بلغ 16.6%، وهو مؤشر يعكس جانباً من حجم التحديات التي تواجه القطاع الصحي في الاحتفاظ بكوادره المتخصصة.
وبحسب تقديرات الهباوي المستندة إلى دراسات أكاديمية، تأتي التخصصات الطبية والصحية في مقدمة المجالات المتأثرة بهجرة الكفاءات، وتشمل الأطباء الاستشاريين واختصاصيي الجراحات الدقيقة وطب الأسنان، تليها التخصصات الهندسية والتقنية، وفي مقدمتها هندسة النفط وتقنية المعلومات والبرمجة.
كما تمثل هجرة الأكاديميين وأساتذة التعليم العالي أحد مسارات خروج الخبرات، وفق دراسة للباحثة ناجية سليمان، صدرت عن جامعة الزاوية الليبية في يونيو 2026، بعنوان «هجرة الكفاءات الليبية: دوافعها واستراتيجيات الحد منها».
وترصد الدراسة مجموعة من العوامل التي تدفع أصحاب التخصصات إلى مغادرة البلاد، من بينها هشاشة الاستقرار السياسي والأمني، وضعف الرواتب، وسوء البيئة الإدارية والمهنية، وغياب تكافؤ الفرص في التمكين والترقي الوظيفي، إلى جانب محدودية الدعم المقدم لمراكز البحث العلمي.
وتتداخل هذه العوامل مع ضعف الإمكانات المتاحة في المؤسسات الصحية والجامعات والمراكز البحثية، حيث يؤدي نقص التمويل والمعدات الحديثة إلى تقليص فرص التطوير المهني وإجراء البحوث العلمية، بما يؤثر في قدرة المؤسسات على استقطاب المتخصصين والاحتفاظ بهم.
ومن الناحية الاجتماعية، لا ترتبط الهجرة بمجرد البحث عن دخل أعلى، وإنما تتصل أيضاً بمدى قدرة بيئة العمل على توفير الاستقرار والتقدير المهني وفرص تطوير القدرات. وتوضح الباحثة في علم الاجتماع جميلة بن عيسى أن استمرار الاضطرابات الأمنية والسياسية وما يصاحبها من تهديدات ومضايقات يتسبب في زيادة الضغوط على بعض الفئات المهنية وعائلاتها، ويدفعها إلى البحث عن بيئات أكثر استقراراً.
وتشير بن عيسى إلى أن ضعف الرواتب يمثل عاملاً إضافياً، لافتة إلى أن راتب الطبيب الليبي في القطاع العام يتراوح عادة بين 150 و300 دولار، فضلاً عن محدودية التمويل والموارد المتاحة للجامعات والمستشفيات ومراكز البحث العلمي.
خسائر تتجاوز الأفراد إلى المؤسسات والخدمات
ولا تتوقف التداعيات الاقتصادية لهجرة الكفاءات عند تكلفة التعليم والتأهيل أو فقدان التحويلات المالية المحتملة، بل تمتد إلى تراجع القدرة الإنتاجية للمؤسسات، وضعف تراكم المعرفة والخبرات داخل القطاعات المختلفة.
وتوضح بن عيسى أن مغادرة أصحاب الخبرات المتراكمة تعني فقدان المؤسسات جزءاً من ذاكرتها التنظيمية، بما يشمل المهارات العملية والمعرفة المهنية والقدرة على التدريب والإشراف وحل المشكلات. وهي عناصر لا يمكن تعويضها بمجرد تعيين موظفين جدد، إذ تتطلب إعادة بنائها فترات من التأهيل والخبرة العملية.
كما تؤدي هجرة الأكاديميين والمتخصصين إلى تقليص فرص نقل المعرفة بين الأجيال، خصوصاً عندما تتراجع قنوات التواصل والتعاون بين الخبرات الموجودة في الخارج والمؤسسات المحلية. وينعكس ذلك على فرص تدريب الكوادر الشابة وتطوير قدراتها، فضلاً عن محدودية الإمكانات المتاحة للبحث والابتكار.
وتشير الباحثة إلى أن تراجع أعداد الكفاءات داخل المؤسسات قد يزيد الأعباء على العاملين المتبقين، ويؤثر في القدرة على تقديم الخدمات العامة وتطوير جودتها، لا سيما في القطاعات الصحية والتعليمية والهندسية.
وفي هذا السياق، لا يمثل نزف الأدمغة مجرد انتقال للأفراد من سوق عمل إلى آخر، بل يرتبط بفقدان جزء من الموارد البشرية التي تحتاج إليها الدولة لتحسين الأداء المؤسسي وتطوير الخدمات وزيادة قدرتها على تنفيذ المشروعات التنموية.
استثمار الخبرات المهاجرة بدلاً من فقدانها
ورغم التحديات المرتبطة بهجرة الكفاءات، فإن وجود أعداد من المتخصصين الليبيين في الخارج يتيح إمكانية الاستفادة من خبراتهم عبر برامج التعاون والتدريب ونقل المعرفة، دون اشتراط عودتهم الدائمة إلى البلاد.
وترى بن عيسى أن التعامل مع الظاهرة يتطلب تجاوز التركيز على استعادة الكفاءات فقط، والاتجاه إلى بناء آليات مؤسسية تربط المتخصصين في الخارج بالجامعات ومراكز البحث والمؤسسات المهنية داخل ليبيا، بما يسمح بتوظيف خبراتهم في برامج التطوير والتأهيل والتبادل العلمي.
وتشمل مجالات الاستفادة المحتملة تقديم الاستشارات المهنية، والمشاركة في الأبحاث المشتركة، وتدريب الكوادر المحلية، وبناء شراكات مع المؤسسات العلمية والصحية الأجنبية، إلى جانب إتاحة فرص التعاون عن بُعد.
ويضع هذا التحرك مسألة الاستفادة من الكفاءات المهاجرة ضمن الملفات المطروحة على المؤسسات الرسمية، غير أن معالجة جذور الظاهرة تظل مرتبطة بتحسين بيئة العمل، وتعزيز الاستقرار، وتطوير الأجور، وتوفير التمويل اللازم للقطاعات المهنية والبحثية.
وبذلك، لا يقتصر التحدي أمام الاقتصاد الليبي على الحد من هجرة الكفاءات، وإنما يمتد إلى تقليص الخسائر الناتجة عنها، وتعظيم العائد من الخبرات الموجودة في الخارج، وبناء بيئة مؤسسية قادرة على الاحتفاظ بالموارد البشرية وتأمين انتقال المعرفة بين الأجيال



