خطف الأصوات الحرة في غرب ليبيا.. حين تصبح الكلمة تهمة والسلاح هو القانون
الراشد لـ«ليبيا 24»: الخطف في غرب البلاد يهدد الحقوق والحريات ويكشف هشاشة الدولة وعجز السلطات عن حماية المواطنين
ليبيا 24
الراشد: ليبيا تحتاج إلى استعادة هيبة القانون لا هيبة السلاح… والفوضى والمليشيات تدفع ثمنها الأجيال الحالية والقادمة
الخطف في ليبيا: مَتى تصبح الحرية تهمة والدولة غائبة
في مشهد يعكس تعقيد الأزمة الليبية الممتدة منذ أكثر من عقد، تصاعدت ظاهرة الخطف في الآونة الأخيرة في المنطقة الغربية من ليبيا، لتتحول من حوادث متفرقة إلى نمط ممنهج يطال الأكاديميين والأطباء والصحفيين والناشطين والشباب، بل والنساء بصورة مباشرة وغير مباشرة.
وفي تصريحات خاصة لـ«ليبيا 24»، حذرت نادية الراشد، النائب السابق والناشطة السياسية والحقوقية، من أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد انتهاك فردي للحقوق والحريات، بل باتت مؤشراً خطيراً على هشاشة الدولة الليبية واتساع دائرة الفوضى وانعدام سلطة القانون.
الانهيار الاقتصادي والاجتماعي: حين يصبح الصوت آخر ما يملكه المواطن
ترى الراشد أن الخطف يضرب في جوهره حق الإنسان في التعبير عن رأيه ورفض الفساد وسوء الإدارة والأداء الفاحش للمسؤولين. وفي وقت تتفاقم فيه مظاهر الفساد وتتراجع ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، يجد الليبيون أنفسهم أمام مشهد يزداد تعقيداً، في ظل تقارير ومؤشرات دولية تضع ليبيا ضمن المراتب المتأخرة في مكافحة الفساد.
وقد أثقلت الأوضاع الاقتصادية كاهل المواطن الليبي، واتسعت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وتراجعت القدرة الشرائية، وأصبحت الطبقة الوسطى مهددة بالتآكل، بينما تتزايد معاناة الفئات محدودة الدخل.
وفي المقابل، تتصاعد مظاهر الثراء الفاحش لدى بعض المستفيدين من الفوضى والفساد، في مشهد يعكس اختلالاً واضحاً في توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية.
وتضيف الناشطة الحقوقية أن المواطن لم يعد أمامه سوى صوته يعبر به عن معاناته ويرفض من خلاله إهدار المال العام ويطالب بالمحاسبة والإصلاح.
غير أن هذا الحق الدستوري والإنساني بات محفوفاً بالمخاطر، بعدما أصبح بعض أصحاب الأصوات الحرة يواجهون التهديد والوعيد وصولاً إلى الخطف، في محاولة لإسكاتهم وتكميم أفواههم.
غرب ليبيا: بؤرة الخطف وانتشار السلاح خارج إطار الدولة
وتزداد خطورة هذه الظاهرة في المنطقة الغربية من ليبيا، حيث تتكرر حوادث الخطف والتهديد وتطال شرائح مختلفة من المجتمع. وفي ظل انتشار السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، تجد بعض العصابات والجماعات المسلحة بيئة تساعدها على الاستمرار، خصوصاً عندما تتداخل مصالحها مع أطراف نافذة أو تستفيد من ضعف الرقابة والمساءلة.
وهنا تبرز مسؤولية السلطات في تفكيك شبكات الخطف وملاحقة المتورطين وضمان عدم إفلات أي جهة من العقاب مهما كانت مواقع أفرادها أو نفوذهم. فاللجوء إلى لغة السلاح بدلاً من لغة القانون والحوار يعكس خطورة المشهد الأمني ويكشف عن هشاشة المنظومة الأمنية واتساع دائرة الفوضى.
حكومة الدبيبة: بين العجز والتواطؤ
في هذا السياق، تطرح هذه الممارسات المتكررة تساؤلات جدية حول قدرة المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية، على حماية المواطنين ومحاسبة المتورطين.
فالدولة التي يعجز مواطنوها عن التعبير عن آرائهم بحرية، ويخشى فيها الأكاديمي والطبيب والصحفي والناشط والشاب من الاختطاف بسبب مواقفهم أو انتقاداتهم، تواجه أزمة تتجاوز الجانب الأمني إلى أزمة سياسية ومؤسسية عميقة. وقد أدت هذه الممارسات إلى نشر الخوف وانعدام الشعور بالأمان، وألحقت ضرراً بصورة ليبيا، ورفعت من احتمالات انزلاق الدولة نحو مزيد من الضعف والتفكك.
المسار السياسي الدولي: تسوية بلا ضمانات
وفي وقت تتواصل فيه الجهود الدولية، برعاية أمريكية ومن خلال بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لدفع العملية السياسية نحو تسوية شاملة وتعزيز الاستقرار الأمني والعمل على توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، تشدد الراشد على أن أي مسار سياسي لن يحقق أهدافه ما لم يقترن بإرادة وطنية حقيقية لبناء مؤسسات موحدة وفرض سلطة القانون وإنهاء مظاهر الإفلات من العقاب.
فلا يمكن الحديث عن الاستقرار في ظل الخوف، ولا عن المصالحة في ظل التهديد، ولا عن بناء الدولة بينما تظل حياة المواطنين وحرياتهم عرضة للانتهاك.
إما القانون أو الفوضى
إن الليبيين، كما تؤكد الراشد، يرفضون رفضاً قاطعاً أساليب الخطف والترهيب وتكميم الأفواه، ويطالبون بدولة مدنية تكون فيها الكلمة للقانون وتخضع فيها جميع السلطات والأفراد للمساءلة دون استثناء.
دولة تحمي حق المواطن في التعبير عن رأيه وتضمن كرامته وسلامته وتصون المال العام وتمنع استغلال النفوذ لتحقيق المصالح الخاصة. فالمطالبة بالحقوق ليست جريمة، وانتقاد الفساد ليس تهديداً للدولة بل هو واجب وطني وأحد أهم أشكال الرقابة الشعبية على أداء المسؤولين.
أما تحويل الخلافات والانتقادات إلى مبررات للخطف والترهيب فهو اعتداء على المجتمع بأسره ومحاولة لفرض الصمت بالقوة.
ليبيا اليوم بحاجة إلى استعادة هيبة القانون لا هيبة السلاح، وإلى حماية الأصوات الوطنية الحرة لا إسكاتها، وإلى دولة مؤسسات تحكمها العدالة والمساءلة لا المصالح والنفوذ.
فإما أن تنتصر الدولة للقانون وحقوق المواطنين، وإما أن تستمر دوامة الفوضى التي تدفع ثمنها الأجيال الحالية والقادمة، ويظل معها مستقبل ليبيا مفتوحاً على المجهول.



