الدينار يهوي والنمو يتبخر: صندوق النقد يضع ليبيا في قائمة “الدول الهشة” ومجلس النواب يتخلص من محافظ المركزي في غرفة الإنعاش
صندوق النقد يخفض توقعات نمو ليبيا إلى 3.3% في 2026 و2.9% في 2027.. وليبا تاسعًا عالميًا في نسبة الدين العام بـ125.2% من الناتج المحلي
ليبيا 24
عندما يصبح النفط لعنة مالية: ليبيا بين “الهشاشة” الدولية وعجز النخبة عن حماية الدينار
لم يعد الحديث عن الأرقام في ليبيا ترفًا اقتصاديًا يتابعه الخبراء وحدهم، بل صار مسألة تمس حياة كل مواطن يرى دخله يتبخر كلما ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية، بينما تكتفي النخبة الحاكمة بتبادل الاتهامات وإعادة إنتاج الأزمة نفسها.
أحدث صدمة جاءت من صندوق النقد الدولي، الذي خفض توقعاته لنمو الاقتصاد الليبي لعام 2026 بمقدار 3.4 نقطة مئوية لتصل إلى 3.3% فقط، مقارنة بتقديرات أبريل الماضي، كما خفض توقعات 2027 من 4.5% إلى 2.9%، وتوقعات النمو بعيد المدى لعام 2031 من 3.8% إلى 2.1%، في اعتراف صريح بأن الاقتصاد الوطني فقد بوصلته.
لكن الأخطر من الأرقام هو التصنيف. فقد أدرج الصندوق ليبيا ضمن قائمة “الدول الهشة”، مع استبعادها من فئة الدول المتأثرة بالنزاعات، وهو تصنيف مزدوج الدلالة: فمن جهة يعترف بأن ليبيا لم تعد ساحة حرب مفتوحة، ومن جهة أخرى يؤكد أن بنيتها الاقتصادية والمؤسسية أصبحت هشة إلى حد يجعلها عاجزة عن استيعاب الصدمات.
وفي الوقت ذاته، صنف الصندوق ليبيا كدولة مصدرة للنفط خارج مجلس التعاون الخليجي، رفقة الجزائر وإيران والعراق، في إشارة إلى أن الثروة النفطية لم تتحول إلى نمو مستدام، بل إلى مصدر ريع تتقاتل عليه السلطات المتنازعة.
دين قياسي ومواطن يدفع الثمن
وعلى صعيد المديونية، أظهرت بيانات صندوق النقد لعام 2026 أن ليبيا جاءت في المرتبة التاسعة عالميًا من حيث نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 125.2%، متجاوزة فرنسا التي حلّت عاشرة بنسبة 118.5%، بينما تصدرت السودان القائمة عالميًا بنسبة 334.4%، وحلت البحرين رابعة بنسبة 162.8%.
هذه الأرقام تعني ببساطة أن كل دينار يُنفق اليوم في ليبيا هو دينار مقترض من مستقبل المواطن، في ظل غياب رقابة برلمانية حقيقية على الإنفاق، واستمرار حكومة الدبيبة المنتهية الولاية في إدارة المال العام بمنطق المحاصصة والترضيات، بينما يدفع المواطن البسيط فاتورة انهيار القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.
وقد حذر خبراء صندوق النقد، في بيانهم الختامي لمشاورات المادة الرابعة لعام 2026، من أن “مسار المالية العامة الحالي في ليبيا غير مستدام”، وأن معدلات العجز المرتفعة والمستمرة تفرض ضغوطًا متزايدة على سعر الصرف والاحتياطيات الدولية والتضخم.
وأضافوا أن إنفاق الإيرادات النفطية المرتفعة حاليًا قد “يفاقم مواطن الضعف”، داعين إلى ادخار المكاسب غير المتوقعة بدلًا من تبديدها. كما شددوا على أن تدابير مصرف ليبيا المركزي لاحتواء الضغط على سعر الصرف “لن تثمر سوى تخفيف مؤقت” في غياب الانضباط المالي. وهذه التحذيرات ليست جديدة، لكنها تكتسب خطورة مضاعفة في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتغوّل السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات الرقابية.
استقالة “المركزي”: حل أم هروب إلى الأمام؟
وفي خضم هذا الانهيار، قرر مجلس النواب قبول استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى “مبدئيًا”، وإحالتها إلى جلسته المقبلة للبت النهائي، مع تكليف عضو مجلس الإدارة فوزي مصباح أبوخزام بتسيير مهام المحافظ مؤقتًا.
جاء القرار بعد أشهر من التكتم حول أسباب الاستقالة، التي تقدم بها عيسى في أغسطس الماضي دون الإفصاح عن دوافعها، مكتفيًا بالإشارة إلى “حساسيتها”، وفق ما أوردته صحيفة الوسط.
والسؤال الذي يطرحه المواطن الليبي: هل تكفي استقالة محافظ أو تغيير شخصي في قمة الهرم المصرفي لوقف نزيف الدينار؟ الإجابة القصيرة لا. فالمشكلة ليست في الشخص، بل في منظومة كاملة تقوم على غياب الشفافية، وتعدد الموازنات، وضخ السيولة دون رقابة، وتمكين شبكات الفساد من إعادة تدوير الأموال العامة خارج أي مساءلة.
مصرف ليبيا المركزي، الذي يُفترض أن يكون حصن الاستقرار النقدي، تحول في السنوات الأخيرة إلى أداة في يد السلطة التنفيذية، تُغذّي الإنفاق غير المنضبط تارة، وتُتهم بالعجز عن حماية العملة تارة أخرى، بينما يدفع المواطن فاتورة الصراع بين المؤسسات.
هشاشة بلا نزاع.. عندما تصنع السياسات المالية “العدو الداخلي”
التصنيف الدولي لليبيا كـ”دولة هشة” مع استبعادها من فئة “المتأثرة بالنزاعات” يحمل رسالة سياسية واضحة: ليبيا لم تعد دولة تُدمّرها الحرب فقط، بل دولة تُدمّرها سياساتها المالية والاقتصادية.
فالهشاشة هنا ليست نتيجة قصف أو اشتباكات، بل نتيجة سنوات من إهدار المال العام، وغياب التخطيط، وتغليب المصالح الضيقة على حساب مستقبل الأجيال. وهذا ما يجعل المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على حكومة الدبيبة المنتهية الولاية، التي واصلت الإنفاق بلا سقف، ورفضت الخضوع لأي رقابة برلمانية حقيقية، وفضلت إدارة الأزمة على حلها.
إن الأرقام التي أعلنها صندوق النقد ليست مجرد تقديرات فنية، بل هي صرخة إنذار أخيرة. فالنمو الذي يتراجع إلى 2.9% في 2027 ثم إلى 2.1% في 2031 يعني أن ليبيا مقبلة على عقد كامل من الركود شبه التام، في وقت يتزايد فيه عدد الشباب الباحث عن فرص عمل، وتتآكل فيه البنية التحتية، وتتراجع فيه جودة الخدمات الأساسية.
والحل لا يكمن في تغيير محافظ أو تعديل حكومي شكلي، بل في إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، عبر ميزانية موحدة وشفافة، ورقابة برلمانية فعلية، وسياسة اقتصادية تحوّل الريع النفطي إلى تنمية حقيقية بدلًا من ديونه.

