ليبيا

عصر يفتح النار على “المعضلة الكبرى”: مصرف ليبيا المركزي تحوّل إلى خزانة مرتبات وبنك تجاري.. والمواطن يدفع الفاتورة

عصر يدعو إلى إعادة المصرف المركزي إلى اختصاصه الأصيل ويحذر من تضخم مستورد يلتهم مكاسب النفط

ليبيا 24

عصر يقترح تثبيت سعر البرميل عند 60 دولارًا وربط الدخل بالمواطنة لا بالوظيفة.. ويطالب بإعادة النظر في كامل التشريعات الاقتصادية

مصرف ليبيا المركزي: من حامي الاستقرار النقدي إلى “وزارة خزانة” تدفع المرتبات

لم يكن منشور وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق، منير علي عصر، مجرد تعليق عابر على هامش الجدل الاقتصادي الدائر.

كان تشخيصًا بنيويًا لخلل مؤسسي تمترس في قلب الدولة الليبية منذ سنوات: مصرف مركزي خرج تدريجيًا عن وظيفته الأصلية كحامٍ للاستقرار النقدي، وتحوّل عمليًا إلى وزارة خزانة تدفع المرتبات، وإلى بنك تجاري ينافس المصارف الخاصة في تمويل التجارة والاستيراد.

وصف عصر هذا التحول بأنه “المعضلة” الكبرى، وهو وصف دقيق لمؤسسة يفترض أن تكون حصن السياسة النقدية، فإذا بها تدار بمنطق الإنفاق اليومي والتمويل الطارئ، بينما يترنح المواطن بين طوابير السيولة وارتفاع الأسعار.

الإنفاق الحكومي المنفلت وسياسات المركزي: أيهما يسبّب الآخر؟

لا يمكن فصل أزمة السيولة التي يعيشها الليبيون عن السياسات النقدية للمصرف المركزي.

 فخلال العام الماضي وحده، أقدم المصرف على سحب 47 مليار دينار من التداول دون توفير بديل نقدي كافٍ، ثم لجأ إلى طباعة 60 مليار دينار لامتصاص الغضب الشعبي، في خطوة وصفها خبراء مصرفيون بأنها “حلول تلفيقية” لم تعالج جذور المشكلة.

وفي أبريل الماضي، خفّض المصرف قيمة الدينار بنسبة 13.3% أمام العملات الأجنبية، ليصبح الدولار الواحد مقابل 5.56 دينار، في أول خفض رسمي منذ عام 2020، مرجعًا القرار إلى إنفاق حكومي تجاوز 224 مليار دينار في عام واحد.

غير أن هذا التبرير لا يعفي المصرف من مسؤوليته عن إدارة ملف النقد الأجنبي بسياسات يعتبرها كثيرون “غير رشيدة”، إذ استمرت الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية تتجاوز 20%، بينما ظل المواطن البسيط يدفع الثمن مرتين: مرة حين يستلم راتبًا لا يكفي، ومرة حين يشتري الدولار من السوق السوداء لعلاج أو سفر أو استيراد.

النفط: سلعة متقلبة سياسيًا ومواطن لا يجب أن يدفع الثمن

ينطلق عصر من مبدأ عام يبدو بديهيًا لكنه غائب عن السياسات المالية الليبية: “النفط سلعة متقلبة سياسيًا، والمواطن لا يجب أن يدفع ثمن تقلبها”.

فليبيا تبيع سلعة واحدة متقلبة، وتشتري آلاف السلع الثابتة الارتفاع، ما يجعل ميزانية المواطن رهينة تقلبات سوق لا يتحكم بها.

من هنا يقترح تثبيت سعر برميل النفط في قانون الميزانية السنوية عند 60 دولارًا فقط، بحيث لا يدخل أي فائض فوق هذا السعر إلى الخزانة العامة، بل يُحوَّل إلى صندوق للأجيال القادمة.

ويرى أن هذا الصندوق، الذي يقترح أن يتبع مجلس النواب بقانون، يجب أن يستثمر 70% من الفائض داخل ليبيا وخارجها، بينما تذهب 30% إلى مؤسسة السلع الاستراتيجية، على ألا يُصرف من أصل الصندوق، بل من أرباحه السنوية وبنسبة لا تتجاوز 50% من الربح.

هذا التصور يجد صدى في تحذيرات خبراء الاقتصاد من أن ارتفاع أسعار النفط لا يعني بالضرورة تحسنًا فوريًا في معيشة الليبيين، لأن البلاد تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها، وأي زيادة في أسعار الطاقة عالميًا ترفع فاتورة الشحن والتأمين والواردات، فتتحول المكاسب النفطية إلى “تضخم مستورد” يلتهمها المستهلك.

درس السبعينيات: حين رفعت ليبيا سعر البرميل فدفع الليبيون الثمن لاحقًا

يستدعي عصر ذاكرة اقتصادية مؤلمة. في سبعينيات القرن الماضي، دعت السعودية عبر وزير نفطها أحمد زكي يماني إلى عدم ترك سعر البرميل يتجاوز عشرين دولارًا، محذرة من أن الارتفاع سيرفع أسعار السلع والخدمات المستوردة، وسيحفز الشركات على البحث عن بدائل عالية التكلفة في البحار والمناطق النائية. لكن أصواتًا أخرى، قادتها ليبيا، هلّلت لرفع السعر حتى بلغ أربعين دولارًا.

وما لبثت الثمانينيات أن جاءت بالنتيجة: هبط النفط إلى ثمانية دولارات فقط، فدخلت دول نفطية عديدة في أزمة مديونية، وتوقفت خطط تنموية كانت قيد الإنجاز، وتحوّلت ميزانيات دول بأكملها إلى ما وصفه عصر بـ”ميزانية 2000 مليون” التي تُدار “خجلاً” وعجزها ظاهر. الدرس واضح: الاعتماد على سعر مرتفع ومؤقت ليس استراتيجية، بل فخ.

المؤسسة الوطنية للسلع الاستراتيجية: كسر الاحتكار وعزل جيب المواطن عن السوق

في مواجهة فوضى الاستيراد، يقترح عصر إنشاء مؤسسة وطنية للسلع الاستراتيجية تحدد حصصًا سنوية لخمس سلع أساسية كمرحلة أولى: الزيت، والدقيق، والسكر، والطماطم، وحليب الأطفال.

تشتري هذه المؤسسة عبر مناقصات عالمية معلنة ومباشرة من المنتج في موسم الحصاد، للحصول على خصم الجملة، ولا تخزّن السلع، بل تبيعها مباشرة للتجار بحصص مناطقية وبهامش ربح مقنن: 3% للدولة و7% للتاجر، وبسعر موحد في كل ليبيا.

هذا الطرح يتقاطع مع دعوات سابقة لعصر نفسه إلى تنظيم توريد السلع عبر كيانات مهنية متخصصة، بدلًا من العشوائية أو الاحتكار، وهو ما من شأنه أن يخفف أعباء التخزين والتأمين والنقل التي ترفع الأسعار داخل السوق المحلية.

الدخل والمواطنة: حين تصبح الوظيفة “غنيمة” والراتب “حقًا”

أخطر ما في مقترحات عصر أنها تمسّ بنية الدولة الريعية ذاتها. فهو يدعو إلى فصل الدخل عن الوظيفة، عبر “مرتب أساسي موحد” لكل مواطن بلغ الثانية والعشرين من عمره، يتراوح بين 1000 و1400 دينار حسب المؤهل، باعتباره حق مواطنة وليس وظيفة.

تُضاف إلى ذلك علاوة سكن قدرها 600 دينار للفرد، قابلة للتجميع بين الزوجين كضمان للحصول على قرض سكني مصرفي، وعلاوة غلاء معيشة قدرها 200 دينار لكل فرد في الأسرة تُصرف لرب الأسرة.

أما مرتب الوظيفة الفعلية، فيقتصر على علاوات التميز والخطر والندرة، تحددها دراسة محايدة، “ولا تكون غنيمة”.

 بهذا المقترح، يضع عصر يده على أحد أعمق أسباب التضخم الوظيفي واختلال سوق العمل في ليبيا: التوظيف السياسي والريعي الذي حوّل الجهاز الإداري إلى شبكة مصالح، وأفرغ القطاع الخاص من الكفاءات.

النتيجة في ثلاث سنوات: ثبات الأسعار و30% من فاتورة الاستيراد

يرسم عصر نتيجة متوقعة لخطته في ثلاث سنوات: ثبات أسعار السلع الأساسية لسنة كاملة، وتوفير 30% من فاتورة الاستيراد، والقضاء على التكدس الوظيفي وإحياء القطاع الخاص، وحماية ليبيا من تكرار سيناريو 1986 حين نزل النفط إلى ثمانية دولارات، وأخيرًا حل مشكلة السكن.

 وهي أهداف تبدو طموحة، لكنها تستند إلى منطق اقتصادي متماسك: عزل ميزانية المواطن عن تقلبات سعر النفط، وربط الدخل بالمواطنة لا بالوظيفة، وتنظيم الاستيراد عبر مؤسسة شفافة.

التشريعات: قوانين “فاعلة في زمانها” لم تعد تواكب العصر

يختم عصر تشخيصه بدعوة لا تقل أهمية عن سابقاتها: الحاجة إلى تحديث منظومة التشريعات والقوانين. يقول إن بعض القوانين “خلقت وصممت لمرحلة وظلت موجودة، ولم تعد تواكب التطور نهائيًا”.

كانت فاعلة ومجدية في زمانها، لكنها اليوم لم تعد تواكب تطور الحياة والعلوم. ويشدد على أنه باستثناء “القوانين العريضة”، يجب إعادة النظر في كل القوانين بين فترة وأخرى لمدى مواكبتها للعصر، بما فيها القوانين الاقتصادية التي لم تعد تواكب التطور الاقتصادي العالمي.

المواطن بين فشل المركزي وسياسات حكومة الدبيبة

في القراءة السياسية، تصريحات عصر ليست مجرد نقد فني لسياسات نقدية. إنها إدانة لمنظومة حكم أفرزت حكومة الدبيبة المنتهية الولاية، التي تعاملت مع المصرف المركزي كأداة تمويل طارئ لا كمؤسسة سيادية، وتركت المواطن يدفع ثمن كل اختلال: من أزمة السيولة إلى انهيار القدرة الشرائية إلى غياب رؤية تنموية.

الرجل الذي شغل وزارة الاقتصاد في حكومة مؤقتة سابقة لا يقدم هنا وصفة حزبية، بل يطرح بدائل مؤسسية قابلة للنقاش: مصرف مركزي يعود إلى اختصاصه، وصندوق أجيال يحمي الفائض من الهدر، ومؤسسة سلع تكسر العشوائية، ودخل مواطنة يعيد الاعتبار للكرامة.

والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يظل المواطن الليبي “المكلوم” وحده من يدفع فاتورة صراع المؤسسات وسياسات المصرف المركزي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى