ليبياليبيا

أبوسنينة يفضح جدول مرتبات الدبيبة: نصف الليبيين إلى ما دون خط الفقر والطبقة الوسطى في مهب الريح

خبير اقتصادي يحذر من أن جدول المرتبات الجديد قد يرفع نسبة الفقر إلى أكثر من خمسين في المئة

ليبيا 24:

أبوسنينة يدعو إلى تأجيل اعتماد جدول المرتبات ويؤكد أن المساس بسعر صرف الدينار خط أحمر

حين تُباع العدالة في سوق المزاد… قراءة في جدول المرتبات الذي يُهدد كيان المجتمع الليبي

في خضم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالمواطن الليبي، وتحت وطأة انفلات الإنفاق العام وتمدد الفساد في مفاصل الدولة، يطل علينا بين الحين والآخر مسؤولو حكومة منتهية الولاية بمبادرات يزعمون أنها تحقق العدالة الاجتماعية وتخفف الأعباء عن كاهل المواطن، بينما تكشف القراءة المتأنية أن ما يُطرح ليس سوى إعادة هندسة للفقر وتكريس للفوارق الطبقية.

وفي هذا السياق، تداولت صفحات على موقع التواصل الاجتماعي جدول المرتبات الجديد الذي أحاله وزير المالية بحكومة الدبيبة منتهية الولاية إلى مجلس النواب، متضمناً مجموعة من الجداول التي توضح المرتب الأساسي المقابل لكل درجة وظيفية من الأولى إلى السادسة عشرة، والعلاوات السنوية التي تبين نهاية مربوط الدرجة، والمرتب الأساسي حسب الوظائف، وسط ادعاءات بأن هذا الجدول يحقق العدالة وليس المساواة بين من يتلقون مرتبات من الخزانة العامة، وأنه سيخفض من بند المرتبات في الميزانية العامة للدولة ومن ثم تخفيض الإنفاق العام.

أرقام لا تُقرأ إلا بجراحة دقيقة

يرى الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة أن الأولى هو تحديد رقم المرتبات الذي يظهر في الميزانية العامة للدولة على وجه الدقة، بحيث لا ينبغي أن يشمل أو يُحمل بما يعرف بالإعاشة والبدلات أو ما يعبر عنه بما في حكمها.

ويشير إلى أن هناك أوجه صرف أخرى تعتبر الأولى بالتخفيض في إطار ترشيد الإنفاق العام الذي نطالب به، وهي كثيرة ومتعددة، ولا يتسع المقام للخوض فيها.

 وهنا يتوقف المرء أمام مفارقة صارخة: لماذا تُعلَّق مشانق التقشف على جيوب الموظفين البسطاء بينما تظل أبواب الإنفاق غير الضروري مشرعة على مصراعيها؟

وهم التعويض… حين يُلوَّح بسعر الصرف كأداة ابتزاز

يحذر أبوسنينة من أن التلويح بدعم سعر صرف الدينار الليبي حتى تنخفض أسعار السلع المستوردة وينخفض معدل التضخم ومن ثم يرتفع مستوى الدخل الحقيقي كنوع من التعويض عن تخفيض المرتبات، لا يتم بقرار أحادي، وإنما ينبغي أن يكون نتيجة لسياسة نقدية وسياسة سعر صرف يتبعها المصرف المركزي وصولاً إلى السعر المستهدف، والتي تستغرق بعض الوقت، وتحتاج للتنسيق مع السياسات الاقتصادية الأخرى التي ينبغي أن تصاحبها. ويقطع أبوسنينة الطريق على أوهام البعض بالقول إن سعر صرف الدينار لا يُرفع أو يُخفض بجرة قلم، فالمعطيات الاقتصادية هي التي تحكم هذا الأمر.

ثلاثون في المئة على الأقل… والاقتصاد على شفا الهاوية

في اقتصاد يعاني من تضخم متسارع، ويعتمد على الاستيراد في توفير معظم احتياجاته، ويمثل القطاع العام المصدر الرئيسي للتشغيل وتوفير فرص العمل، وبه أكثر من مليوني موظف، فإن الأثر المترتب على تطبيق هذا الجدول الجديد سيمتد إلى ثلاثين في المئة من السكان على الأقل، إضافة إلى نسبة كبيرة أخرى من المتقاعدين الذين تتسم معاشاتهم بالمحدودية، وآخرين عاطلين عن العمل، وكلهم في حاجة للدعم.

ويستند أبوسنينة إلى دراسات علمية حديثة بينت أن حد الفقر المطلق بالنسبة للأسر الليبية يبدأ عند مستوى دخل في حدود ثلاثة آلاف دينار لأسرة مكونة من خمسة أشخاص، مما يستوجب التوقف والنظر بعين الاعتبار والتمحيص في جدول المرتبات الجديد والبحث في الأسس التي بُني عليها وآثاره المحتملة على مستوى معيشة المواطنين وتداعياته على النشاط الاقتصادي والاقتصاد ككل.

الآثار الأربعة… خريطة الدمار الاجتماعي

يحدد أبوسنينة أهم الآثار المحتملة التي ستترتب على العمل بهذا الجدول في أربعة محاور كارثية. الأول: القضاء على ما تبقى من الطبقة الوسطى في المجتمع، وتكريس حالة الفوارق الطبقية بين أفراده.

الثاني: ارتفاع نسبة من هم تحت خط الفقر والتي تتراوح بين اثنين وثلاثين في المئة واثنين وأربعين في المئة وفقاً للتقديرات التي انتهت إليها بعض الدراسات، والتي قد تصبح فوق الخمسين في المئة.

الثالث: سيشهد الاقتصاد ركوداً عاماً، حيث من المتوقع أن يتدنى الطلب الكلي العائلي، لأن أسعار السلع لن تنخفض بشكل تلقائي، نتيجة لما تتصف به من عدم المرونة إلى أسفل لكون الاقتصاد ليس إنتاجياً ويغلب عليه الطابع الاستهلاكي.

الرابع: سيضطر الكثيرون ممن يتلقون مرتبات وأجوراً من الخزانة العامة إلى طلب التقاعد الاختياري، للمحافظة على مستويات دخل تتناسب مع مرتباتهم قبل صدور هذا القانون، مما سيزيد العبء المالي على صندوق الضمان الاجتماعي.

توصيات لا تقبل التأجيل… وسعر الصرف خط أحمر

تأسيساً على ما ورد، يوصي أبوسنينة بأن يخضع جدول المرتبات الجديد المقترح وموضوع المرتبات وسياسة الدخل بصفة عامة إلى المزيد من الدراسة والتمحيص قبل اعتماده أو البدء في تنفيذه.

ويشدد على أنه بدلاً من التلويح بتخفيض سعر صرف الدينار الليبي أو الإيحاء باللجوء إليه في مواجهة انفلات الإنفاق العام وتمويل مصروفات الحكومة، خياراً أو اضطراراً، على أولئك المعنيين المطالبة بتخفيض الإنفاق العام وضبطه ليكون في حدود الإيرادات العامة، والتأكيد على أن المساس بسعر الصرف في الوقت الحاضر خط أحمر، وأن التماهي مع طلبات الحكومة في الإنفاق بدون ميزانية عامة متوازنة يغذي التضخم ويفاقمه.

ويختتم بالدعوة إلى أن يعي الجميع أن الحل يكمن في تسقيف الإنفاق العام وعدم التمويل بالعجز، وأن الهدف ينبغي أن يكون استقرار سعر الصرف وعدم المساس به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى