الشريف يفكك لغز “الأواني المستطرقة”: كيف ينهب تهريب السلع خزينة ليبيا بينما يدفع المواطن فاتورة التشوهات
خبير اقتصادي يحذر من أن الفجوة السعرية مع دول الجوار تستنزف 40% من السلع المستوردة وتضغط على احتياطي النقد الأجنبي
ليبيا 24
الشريف يدعو إلى رسوم تصحيحية وضبط حدودي لمنع تهريب السلع، ويشدد على أن استقرار الدينار مرهون بالانضباط المالي ووحدة المؤسسات.
بين تشوه الأسعار ووهم “قوة” العملة: قراءة ليبية في تحذيرات الشريف
لم يكن حديث أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، عن “نظرية الأواني المستطرقة” مجرد تنظير أكاديمي، بل كان صرخة تحذيرية في وجه اقتصاد منهك، تنهشه شبكات التهريب وتلتهمه التشوهات السعرية، في ظل غياب الرقابة على الحدود وتعدد أسعار الصرف.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه حكومة الدبيبة المنتهية الولاية بالصراعات السياسية والإنفاق الموازي غير المنضبط، يقدم الشريف تشخيصاً لما يحدث خلف الكواليس، حيث تتحول السلع المدعومة أو المعفاة من الرسوم الجمركية إلى غنيمة سهلة للمهربين، بينما يتحمل المواطن الليبي المكلوم تبعات هذا العبث.
“الأواني المستطرقة”: حين تصبح الأسعار الرخيصة نقمة
يشرح الشريف أن انخفاض الضرائب والرسوم على بعض السلع داخل ليبيا، مقارنة بدول الجوار، يخلق “تشوهاً سعرياً” يجعل هذه السلع أرخص محلياً.
ووفقاً لمنطق “الأواني المستطرقة”، فإن هذا الفارق السعري يدفع نحو انتقال السلع من السوق الليبية إلى أسواق أعلى سعراً، سواء عبر التهريب أو التجارة غير المشروعة.
والنتيجة، كما يؤكد، هي استنزاف الموارد العامة وحرمان الدولة من إيرادات كان يمكن تحصيلها، فضلاً عن تشوه أنماط الاستهلاك والتجارة.
ويذهب الشريف إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن التقديرات تشير إلى أن نحو 40% من السلع المستوردة يتم تهريبها إلى دول الجوار، وهو رقم يكشف حجم النزيف الذي يعانيه الاقتصاد الليبي، ويفاقم الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي ويزيد من هدر الإنفاق العام.
وهنا لا بد من التوقف: فالمشكلة ليست في انخفاض الضرائب بحد ذاته، بل في اتساع الفجوة السعرية في ظل ضعف الرقابة على الحدود وغياب آليات فعالة لضبط حركة السلع، وهو ما يعني أن الفوضى والمليشيات التي تسيطر على المعابر الحدودية هي الشريك الأكبر في هذه الجريمة الاقتصادية.
العلاج: رسوم تصحيحية لا ضرائب على المواطن
يشدد الشريف على أن المعالجة تتطلب سياسة مالية وتجارية متوازنة، تقوم على فرض رسوم وضرائب تصحيحية على السلع التي تشهد فروقاً سعرية كبيرة، بهدف تقارب الأسعار مع دول الجوار والحد من التهريب.
لكنه، في ذات الوقت، يضع شرطاً أساسياً لنجاح هذه السياسة: تصميم آلية لتعويض المواطنين، خصوصاً محدودي الدخل، عن الأعباء الإضافية، من خلال دعم نقدي مباشر أو تعويضات موجهة، “بما يضمن ألا يتحمل المواطن وحده تكلفة الإصلاح”.
وهنا يتجلى البعد الاجتماعي لتحليل الشريف، الذي يرفض أن يكون المواطن كبش فداء لسياسات حكومية فاشلة.
فالهدف، كما يوضح، “ليس زيادة الضرائب على المواطن، وإنما تصحيح التشوه السعري، وحماية موارد الدولة، والحد من التهريب، وتحقيق العدالة في توزيع الأعباء”، دون الإضرار بالمستوى المعيشي.
لغز الدينارين: لماذا يعجز النفط عن إنقاذ العملة الليبية؟
ينتقل الشريف إلى مقارنة بالغة الدلالة بين الدينار الأردني والدينار الليبي. فرغم محدودية موارد الأردن الطبيعية واعتماده الكبير على الاستيراد، فإن ديناره يعادل نحو 1.41 دولار، بينما يتراجع الدينار الليبي رغم ثروة نفطية هائلة وعدد سكان أقل.
ويرجع الشريف هذا اللغز إلى أربعة عوامل:
أولاً، اختلاف السياسات النقدية، حيث حافظ الأردن على ربط ديناره بالدولار منذ عام 1995 بسياسة نقدية تستهدف الاستقرار، بينما واجهت ليبيا ضغوطاً متكررة وتعدداً في أسعار الصرف.
ثانياً، إدارة الإنفاق العام، فالمشكلة الليبية ليست في نقص الموارد، بل في التوسع في إنفاق عام غير مرتبط بإيرادات مستدامة، مما يزيد الطلب على النقد الأجنبي ويضغط على الاحتياطيات.
ثالثاً، الاستقرار المؤسسي والثقة، حيث أسهم الانقسام المؤسسي وضعف الانضباط المالي في تعقيد إدارة الإيرادات والنفقات.
ورابعاً، يذكّر الشريف بأن “قوة العملة لا تعني بالضرورة قوة الاقتصاد”، فالمعيار الحقيقي هو القوة الشرائية والدخل الحقيقي ومستوى الخدمات. والخلاصة التي يصل إليها الشريف هي أن “امتلاك الثروة الطبيعية لا يكفي لبناء عملة مستقرة، ما لم يصاحبه انضباط مالي، وإدارة رشيدة للنقد الأجنبي، وسياسات نقدية متسقة، ومؤسسات موحدة وفاعلة”.
والسؤال الذي يطرحه ليس “لماذا الدينار الأردني أقوى؟”، بل “كيف استطاعت دولة محدودة الموارد المحافظة على استقرار عملتها لعقود، بينما لم تستطع دولة نفطية مثل ليبيا تحويل ثروتها إلى استقرار نقدي مستدام؟”.
المواطن بين فكي التهريب والتشوه
في المحصلة، يقدم لنا الدكتور علي الشريف خريطة طريق للخروج من النفق الاقتصادي، لكنه يضع يده على الجرح الحقيقي: غياب الدولة القادرة على فرض سيطرتها على حدودها ومؤسساتها المالية.
فحكومة الدبيبة المنتهية الولاية، الغارقة في إنفاقها الموازي وصراعاتها، لم تقدم للمواطن سوى مزيد من الضغوط المعيشية، بينما تزدهر شبكات التهريب والمليشيات على حساب خزينة الدولة وقوت المواطن. إن تصريحات الشريف ليست مجرد تحليل أكاديمي، بل دعوة صريحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر إصلاحات جذرية تضع المواطن في قلب المعادلة، وتستعيد هيبة الدولة من أنياب الفوضى.



