القماطي يفكّ شيفرة الكارثة: ليبيا تُدار بمنطق «البلطي»… والمواطن يدفع فاتورة الإنكار
خبير اقتصادي: استقرار الدينار لا يُشترى بتبديل المحافظ… بل بضبط الإنفاق واستقلالية المركزي
ليبيا 24:
القماطي: تحويل المصرف المركزي إلى ساحة محاصصة يُقصي الخبير ويُبقي أسباب الأزمة قائمة
حين يصبح التحذير تهمة… والاعتراف المتأخر مأساة
في اقتصادٍ يُفترض أن يكون نفطياً بامتياز، يعيش المواطن الليبي على حافة الانهيار المعيشي: قوة شرائية تتآكل، وفجوة سعر صرف تبتلع مدخراته، وأسعار تتسلق بلا رحمة.
الدكتور حلمي القماطي، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، لم يقل شيئاً جديداً في جوهره؛ لكنه قال ما يرفض منظومة الفساد سماعه: الحقيقة حين تكشف خلل السياسات تُحارَب، والاقتصادي حين يحذر من العواقب يُسخَر منه، ثم حين تتجسد الأزمة يكتشف الجميع أن ما سُمّي تشاؤماً كان تحليلاً، وما عُدّ مبالغة كان إنذاراً مبكراً.
المأساة — كما يصفها القماطي بدقة — ليست في تأخر الاعتراف، بل في أن يدفع المواطن ثمن إنكار الحقيقة، ثم يُقدَّم الفشل بعد وقوعه وكأنه قدر لا مفر منه.
هذا ليس حديثاً نظرياً. فبيانات المصرف المركزي عن عام 2025 كشفت فجوة تمويلية تقارب ملياري دولار بين إيرادات نفطية محوّلة واستخدامات للنقد الأجنبي، غُطّيت لا من تدفقات حقيقية بل من السحب على الأصول الأجنبية.
هذا التحول من إدارة التدفقات إلى تمويل المخزون هو إعلان موت تدريجي للسياسة النقدية، وتحوّلها من صانع للاستقرار إلى مطفئ حرائق يعمل بلا توقف بينما أسباب الاشتعال باقية.
الفساد الذي يرتدي ثوب الإصلاح: الهندسة السياسية للانهيار
لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية الليبية عن هندستها السياسية. حكومة عبد الحميد الدبيبة، المنتهية الولاية، لم تكتفِ بإدارة الأزمة؛ بل حوّلتها إلى سياسة مقصودة.
توسيع التشكيلة الحكومية في مارس 2026، وتعيين ثلاثة عشر وزيراً لملء شواغر، لم يكن خطوة إصلاحية بقدر ما كان إعادة ترتيب لموازين القوى مع الجماعات المسلحة التي تتحكم في مفاصل الأمن بالعاصمة، في محاولة صريحة لإطالة أمد سلطة فقدت شرعيتها.
الدبيبة الذي وعد بـ«ليبيا خالية من الميليشيات والفساد» وجد نفسه محاصراً بلقاءات مع قادة ميليشيات مطلوبين دولياً، وسط تقارير أممية عن فساد منهجي تغذيه مسالك الاقتصاد الموازي.
هنا تتقاطع السياسة بالاقتصاد بأبشع صورة: حين يرتدي الفساد ثوب الإصلاح، ويلبس العبث عباءة الخبرة، ويتحدث الفشل بلغة الأرقام والمؤشرات، تصبح الكارثة سياسةً، ويصبح التضليل إنجازاً، ويُحاصَر صوت الخبير باسم المصلحة العامة.
المصرف المركزي، الذي يُفترض أن يُدار بعلم الاقتصاد، تحوّل إلى ساحة تُدار بتوازنات المصالح؛ والخبير أصبح عبئاً على المحاصصة، والقرار النقدي رهينة الترضيات، والدولار شاهداً على الفشل.
المواطن المكلوم: ضحية بين فكي المنظومة والمضاربة
في بلد النفط والثروات، يعاني المواطن من تراجع القوة الشرائية، وفجوة سعر الصرف، وارتفاع الأسعار، وأزمات نقدية متكررة. سعر الدولار تجاوز عشرة دنانير في السوق الموازية مقابل نحو ستة دنانير ونصف رسمياً، بعد تخفيض قيمته بنسبة 14.7% في يناير 2026. هذا ليس مجرد رقم؛ إنه حكم بالإعدام على الطبقة الوسطى.
فحين يصبح الولاء أهم من الكفاءة، ويُهمَّش الاقتصادي المتخصص، تتحول السياسة النقدية من أداة لحماية قيمة الدينار إلى إدارة مستمرة للأزمة، والمواطن — الذي يدفع ثمن كل إخفاق — يستحق أن يعرف: متى تنتهي إدارة الأزمات ويبدأ الإصلاح الحقيقي؟
«عدّي بلطي وجابوا بلطي»: استعارة تكشف عقلية المنظومة
استعارة القماطي الساخرة ليست مجرد نكتة؛ إنها تشريح ساخر لدورة الفشل. كلما تغيّر محافظ المصرف المركزي، نظن أن «الجمبري» قادم: دينار قوي، سعر صرف مستقر، سياسة نقدية تعرف وجهتها.
لكن المتوفر في السوق يبقى «البلطي»: نفس العقلية، نفس السياسات، نفس الاختلالات التي تُتْرَك بلا علاج جذري.
المشكلة ليست في الاسم على الباب ولا في الكرسي، بل في العقلية التي تدير. نريد نتيجة مختلفة بنفس الأدوات؟ نريد استقراراً نقدياً بلا انضباط مالي؟ نريد دولاراً ينخفض بينما أسباب الطلب عليه قائمة؟ هذا وهم.
الاقتصاد لا يُصلَح بتبديل الأشخاص إذا استمرت السياسات، والمواطن ليس مشكلته نوع السمك، بل أنهم كل مرة يوعدونه بالجمبري فيجدهم ما زالوا يدورون في البلطي.
من ملاحقة الأزمة إلى إنهائها
ثمة فرق جوهري بين من يطارد سعر الصرف ومن يبحث عن الأسباب التي تدفعه إلى الارتفاع. الأول ينشغل بملاحقة الأزمة، والثاني يعمل على إنهائها. ليبيا لا ينقصها النفط؛ تحتاج إلى إدارة رشيدة لثرواتها، وضبط للإنفاق العام، وإدارة للنقد الأجنبي على أسس علمية، وحماية لاستقلالية المصرف المركزي.
الدينار لا تحميه المناصب، بل تحميه السياسات الصحيحة والكفاءات المتخصصة. حتى يحدث ذلك، سيبقى المواطن الليبي يدفع فاتورة إنكار الحقيقة، بينما المنظومة تُعيد إنتاج الأزمة بثوب جديد.



