ليبيا

ليبيا بين ثروة مُهدرة وأفق ضيق: ثروة لا تنقصها الموارد… بل ينقصها حسن الإدارة

درميش: تخفيض الدينار ليس «غزوة بدر»… بل استنزاف ممنهج لمدخرات الليبيين تحت غطاء الفوضى والمليشيات

ليبيا 24

درميش: قرارات تخفيض الدينار وفرض الرسوم والضرائب أحادية وارتجالية وتخدم مصالح ضيقة وتضاعف التضخم

في وقت تواصل فيه حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية الترويج لخطاب الشح الاقتصادي والضائقة المالية لتبرير إجراءاتها التقشفية، يطل الدكتور محمد يوسف درميش، المشرف السابق على الملف الاقتصادي والاجتماعي بالمركز القومي للدراسات، ليفكك هذا السرد من أساسه.

يؤكد درميش بلا مواربة أن ليبيا تملك موارد وإمكانات مالية واستثمارية ضخمة، وأنها ليست دولة فقيرة تعاني الشح، بل قادرة على تمويل كل ما تريده في إطار الإدارة المالية السليمة.

هذه المقولة وحدها تكفي لنسف الرواية الرسمية التي تحاول بها حكومة تصريف الأعمال تبرير الإجراءات المتلاحقة، من تخفيض قيمة الدينار إلى فرض الرسوم والضرائب.

غير أن المشكلة، كما يشخصها درميش، لا تكمن في حجم الموارد بل في إدارتها. فسوء إدارة الأموال والموارد، إلى جانب القرارات الارتجالية والأحادية، ضاعف من حدة التشوهات والتضخم، وأثر مباشرة على الأسعار ودخول المواطنين.

وهنا تبرز المفارقة: بلد يسبح على بحر من الثروات، يجد مواطنوه أنفسهم يدفعون ثمن قرارات غير مدروسة تخدم مصالح ضيقة، في ظل غياب الرقابة وانتشار الفوضى والمليشيات.

قرارات ارتجالية تحت عباءة «الاستقرار»

لم يتوقف درميش عند حدود التشخيص، بل وجه سهامه إلى من يروجون لهذه القرارات بوصفها إجراءات إصلاحية. ففي تعبير لاذع، قال إن من يزعم أن تخفيض قيمة الدينار وفرض الرسوم والضرائب له فوائد ويحقق استقراراً اقتصادياً، إنما يقدم «غزوة بدر» اقتصادية زائفة.

ويصف هؤلاء بأنهم «محدودو الأفق» و«محدودو الإدراك»، يوجهون القرار لخدمة مصالح شخوص بعينهم لنيل مكاسب دنيوية ضيقة، بينما يدفع الاقتصاد الوطني ثمن ذلك بخسائر فادحة بالمليارات في أصوله المقومة بالدينار.

ويشرح درميش الآثار المتسلسلة لهذه القرارات: تخسر البنوك في معدل العائد على الاستثمار، ويتضاعف التضخم، وتستنزف مدخرات الناس، ويزداد الفقر والحرمان والعوز، ويتكسد العاملون في القطاع العام، وتتضخم أرقام الميزانية العامة.

هذه الصورة القاتمة تعكس واقعاً يعيشه المواطن الليبي يومياً، في ظل غياب مؤسسات قادرة على كبح جماح المضاربة ومراقبة الأسواق.

الدولار سلعة نخبوية والفقراء يدفعون الثمن

يقدم درميش تفسيراً غير مألوف لارتفاع سعر الدولار، إذ ينفي أن يكون السبب هو الإنفاق، ويؤكد أن السبب الحقيقي هو عدم العدالة في التوزيع، وتحول الدولار إلى سلعة خاصة يحصل عليها عدد قليل من الناس.

بهذا المعنى، يتحول الدولار من عملة إلى أداة احتكار بيد نخبة ضيقة، تستفيد من غياب الدولة عن مراقبة الأسواق لتضاعف من أرباحها على حساب المواطن المكلوم.

ويشدد درميش على أن غياب الدولة ومؤسساتها عن كبح المضاربة ومراقبة الأسواق له مردود سلبي على المجتمع، من حيث جودة السلع والأسعار والصلاحية وتوفير الخدمات.

ويضع النقاط على الحروف: على الأجهزة أن تقوم بدورها. فالدولة ليست مجرد كيان سياسي، بل هي المسؤولة عن حماية المستهلك وضبط السوق، وغيابها عن هذا الدور يعني ترك المواطن فريسة للمضاربين والمحتكرين.

غياب الدولة: الفوضى والمليشيات في قلب المشهد

في هذا السياق، لا يمكن فصل تصريحات درميش عن الواقع الليبي المأزوم، حيث تتفشى المليشيات وتغيب مؤسسات الدولة عن أداء أدوارها الرقابية.

فحكومة الدبيبة المنتهية الولاية، التي تشكلت في إطار اتفاق سياسي هش، لم تتمكن من فرض سلطة الدولة على الأرض، وتركت الأسواق نهباً للمضاربين، والمواطن يعاني من ارتفاع الأسعار وتدهور جودة السلع وغياب الخدمات.

هذا الغياب ليس بريئاً، بل يستفيد منه من يسميهم درميش «أصحاب الأفق الضيق»، الذين يوجهون القرارات الاقتصادية لخدمة مصالحهم الشخصية، متخذين من «الاستقرار الاقتصادي» ستاراً يخفون به استنزافهم لمدخرات الليبيين.

ويقول درميش إن هؤلاء لا يعرفون أن إدارة الأموال تطورت ووصلت إلى مرحلة لا يمكن وصفها الآن، وأن ليبيا دولة تزخر بالإمكانيات والموارد المتاحة تحتاج إلى حسن إدارة فقط.

أبواق التلقين والتضليل: «عين عينك»

يوجه درميش انتقاداً لاذعاً لمن يصفهم بأنهم يمارسون «التلقين عيني عينك» منذ عشرات السنين.

فبدلاً من تشخيص دقيق لخصائص الاقتصاد الليبي وتحديد المشكلة الحقيقية، يتعامل أغلب الاقتصاديين مع نتائج إخفاقات لقرارات عشوائية غير مدروسة سابقة، كان الحال والظروف فيها عادية.

ويضرب أمثلة على هذا التلقين: «عرض النقود ما عرض النقود، الاستهلاك ما الاستهلاك، كبر رقم المرتبات، كبر رقم الدعم». هذه المقاربات السطحية، كما يرى درميش، لا تقدم حلاً بل تكرس التضليل وقلب الحقائق.

ويشدد على أن ضبط الإيرادات والإنفاق، وتحقيق العدالة في التوزيع، والقضاء على الاحتكار، كلها عوامل من شأنها أن تتيح للدولة الليبية أخذ وضعها الحقيقي بعيداً عن التضليل وقلب الحقائق من أصحاب الأفق الضيق.

ليبيا والفرص الإقليمية: تركيا أولاً

على المستوى الجيوسياسي، يدعو درميش متخذ القرار الليبي إلى الاستفادة من مكانة دول إقليمية مهمة، على رأسها تركيا، ثم مصر والسعودية والجزائر.

ويصف هذه الدول بأنها «أذرع إقليمية مهمة» للدولة الليبية، ويضع تركيا في المرتبة الأولى لأنها ثقل وقوة عسكرية في حوض البحر الأبيض المتوسط لا يستهان بها، وأكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، ودولة صناعية تملك إمكانيات عسكرية متطورة، فضلاً عن علاقاتها المتميزة مع روسيا وأمريكا.

هذه الدعوة إلى الاستفادة من المكانة الإقليمية تأتي في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات أمنية واقتصادية جسيمة، وتحتاج فيه إلى تحالفات ذكية تخدم مصلحتها العليا. غير أن هذه الدعوة تطرح أيضاً تساؤلات حول طبيعة هذه التحالفات، في ظل استمرار الانقسام السياسي وتدخل أطراف خارجية في الشأن الليبي.

المواطن المكلوم بين ثروة مُهدرة وقرارات عشوائية

في المحصلة، تكشف تصريحات درميش عن مفارقة قاسية: ليبيا، البلد الذي يملك موارد وإمكانات مالية واستثمارية ضخمة، يعيش مواطنوه تحت وطأة الفقر والحرمان والتضخم.

والسبب ليس الشح في الموارد، بل سوء الإدارة، والقرارات الارتجالية، وغياب الدولة عن مراقبة الأسواق، وتحول الدولار إلى سلعة نخبوية، وتفشي الفوضى والمليشيات.

هذه التصريحات، الصادرة عن خبير اقتصادي عمل في مؤسسة رسمية، تشكل صفعة قوية للخطاب الحكومي الذي يحاول تبرير فشله بإجراءات تقشفية يدفع ثمنها المواطن.

كما أنها تضع النقاط على الحروف في ملف اقتصادي معقد، وتدعو إلى مقاربة جديدة تقوم على حسن إدارة الموارد، والعدالة في التوزيع، والقضاء على الاحتكار، وضبط الإيرادات والإنفاق.

فليبيا، كما يقول درميش، ليست دولة فقيرة، بل دولة تحتاج إلى حسن إدارة فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى