ليبيا

من رحم المعاناة إلى قلب طرابلس.. قطاع الصحة الليبي يعلنها وقفة تاريخية ضد الانهيار

كوادر القطاع الصحي في ليبيا تدعو إلى وقفة احتجاجية كبرى أمام مقر الحكومة في طرابلس

ليبيا 24:

اتحاد حراك القطاع الصحي: المذكرات الشكلية لا تعالج انهيار المستشفيات.. ونطالب بحقوق العاملين

حين يصبح المريض ورقة تفاهم

في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها القطاع الصحي في ليبيا، يبرز اتحاد حراك القطاع الصحي والنقابات المهنية المساندة له كصوت مناهض للفوضى والعبث، حاملًا مطالب الكوادر الطبية والطبية المساعدة والإدارية التي ظلت معلقة لسنوات.

وفي الوقت الذي تتوالى فيه البيانات الرسمية عن مذكرات تفاهم ووثائق مرجعية، يعلو صوت العاملين في القطاع الصحي معلنًا أن الأوراق الموقعة لم تعد تُسمن ولا تغني من جوع صحي. هذا التحرك لا يأتي من فراغ، بل من واقعٍ عاشته الكوادر الصحية لسنوات طويلة، ومن مطالب مشروعة تأخّر إنصاف أصحابها.

الوقفة الاحتجاجية: رسالة الوحدة من الشرق إلى الغرب

دعا الاتحاد جميع موظفي القطاع الصحي في ليبيا، من الشرق والغرب والجنوب، إلى وقفة احتجاجية كبرى أمام مقر رئاسة مجلس الوزراء في طرابلس، وتحديدًا في الحديقة المجاورة، يوم الاثنين القادم في تمام الساعة التاسعة صباحًا.

واعتبر الاتحاد أن هذه الوقفة ليست مجرد حدث عابر، بل فرصة لكل موظف ليكون جزءًا من التغيير المنشود، مؤكدًا أن نجاحها يعتمد على الحضور والتكاتف. وشدد على أن المطالب تشمل جميع الفئات دون استثناء: نقابات، أطباء، عناصر طبية مساعدة، فنيين، إداريين، معاونين، وكل العاملين في القطاع الصحي.

ووجه الاتحاد رسالة واضحة إلى الإداريين والمدراء في القطاع الصحي، مؤكدًا أن الموظفين ليسوا خصومًا، بل شركاء في المطالبة بالحقوق، داعيًا إياهم إلى أن يكونوا جزءًا من الحل لا عائقًا أمام زملائهم، ومشددًا على أن قوة القطاع في وحدته، وأن المطالب تشمل الجميع دون استثناء، وأن المواجهة ليست مع بعضهم البعض بل مع واقع لازم يتغيّر وحقوق لازم تتحقق.

المذكرات والوثائق: مسرحيات سياسية على أنقاض المستشفيات

لم يكتف الاتحاد بالمطالبة بالحقوق، بل سدد سهام نقده إلى ما وصفه بـ”المسرحيات” التي يقدمها مسؤولو الحكومة، في إشارة إلى توقيع وزيري الحكم المحلي والصحة على “مذكرة تفاهم ووثيقة مرجعية لتنظيم مستويات الخدمات الصحية محليًا وتحديد الاختصاصات”.

وتساءل الاتحاد باستهجان: هل ستتكفل هذه الوثيقة المرجعية الموقعة بإصلاح أجهزة الرنين المغناطيسي المعطلة منذ سنوات؟ أم أنها ستقوم بإنقاذ مريض يتوفى على أبواب المستشفيات لعدم توفر سرير عناية؟ وأكد أن الأزمة الصحية ليست أزمة اختصاصات إدارية، بل هي أزمة ضمير مهني وإدارة مالية فاسدة تتقن فن استعراض التوقيعات وتبرع في تدمير ما تبقى من بنية تحتية.

وحذر الاتحاد الحكومة وكافة المسؤولين من استمرار سياسة الهروب للأمام وتخدير الرأي العام ببيانات “اللامركزية المزعومة” و”تنظيم المستويات”، مؤكدًا أن الكوادر الطبية لن تبقى مكتوفة الأيدي وهي تشهد انهيار صروح العلاج بينما تُصرف الميزانيات على المؤتمرات والبرتوكولات البهرجية.

وأوضح أن القطاع الصحي ليس قطاعًا عاديًا، بل هو العمود الفقري للدولة وخط الدفاع الأول عن حياة المواطن، وأن الموظف الذي يعطي من صحته ووقته وجهده يستحق التقدير والإنصاف وحياة كريمة تحفظ له ولعائلته أبسط الحقوق.

المصرف المركزي وتغيير المحافظ: هل تتحول الحقوق إلى قرارات؟

وفي تطور لافت، تزامن الحراك الصحي مع استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى وقبولها مبدئيًا، وهو ما أثار تساؤلات الاتحاد حول مصير حقوق العاملين في القطاع الصحي التي ظلت معلقة وسط الجدل حول الإنفاق العام وزيادة المرتبات.

وأوضح الاتحاد أن مطالبته بتحسين المرتبات ليست خصومة مع المصرف المركزي، ولا دعوة إلى الإنفاق العشوائي، بل هي مطالبة بالعدالة الوظيفية والإنصاف ووضع حد لمعاناة كوادر تتحمل مسؤولية صحة المواطنين في ظروف صعبة.

وشدد الاتحاد على أنه لا يحمّل شخصًا واحدًا مسؤولية كل أزمات القطاع، ولا يبرئ أي مسؤول من مسؤوليته، بل هو مع تقييم المواقف والقرارات والنتائج، ومع معرفة من دعم الحلول ومن امتلك صلاحية المساهمة فيها وما الذي تحقق فعليًا للعاملين.

ورأى أن التغيير في قيادة المصرف المركزي يجب ألا يكون مجرد تغيير أسماء ومناصب، بل فرصة لمراجعة السياسات التي تمس حياة المواطنين وحقوق الموظفين.

وطالب الاتحاد المحافظ المكلف والحكومة ووزارتي المالية والصحة بموقف واضح من ملف المرتبات، وآلية تمويل معلنة، وجدول زمني للتنفيذ، وتنسيق حقيقي بين الجهات المسؤولة، مؤكدًا أنه مع الإصلاح ومكافحة الهدر وحماية المال العام، لكنه يرفض أن يصبح العامل الصحي الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها تبعات الاختلالات المالية.

كما أكد أن الاتحاد وُلد من رحم معاناة العاملين، ولن يتراجع عن حقوقهم حتى تصبح واقعًا ملموسًا، وأنه يرحب بكل مسؤول يمد يده لحل الأزمة ويقدّر كل موقف ينصف العاملين، لكنه سيظل يطالب بالحق بالدليل والقرار الرسمي بعيدًا عن الشائعات والمزايدات.

الهياكل الإدارية المتضخمة: إهدار للمال العام

ولم يغفل الاتحاد عن ملف التوسع في استحداث الهيئات والمراكز والأجهزة التابعة للقطاع الصحي، محذرًا من أن هذا التوسع وما يصاحبه من نقل أو تفريغ لاختصاصات أصيلة من وزارة الصحة وإنشاء هياكل إدارية ومالية موازية، من شأنه أن يؤدي إلى تضارب الصلاحيات وازدواجية الإنفاق وتشتيت المسؤولية وإضعاف الرقابة وفتح المجال أمام سوء الإدارة وإهدار المال العام.

وطالب الاتحاد بإخضاع جميع هذه الكيانات للإشراف الإداري والفني لوزارة الصحة، وإدراجها ضمن الهيكل التنظيمي المعتمد، ومراجعة التشريعات والقرارات المنشئة لها وإعادة تنظيم أو دمج أو إلغاء ما يثبت عدم الحاجة إليه، وإخضاع ميزانياتها ومصروفاتها وملاكها الوظيفي لرقابة مالية وإدارية فعالة مع ضمان الشفافية والإفصاح، وإحالة أي مخالفات أو شبهات فساد إلى الجهات الرقابية والقضائية المختصة، وتوجيه الموارد المالية نحو الأولويات الحقيقية وفي مقدمتها دعم المستشفيات والمراكز الصحية وتوفير الأدوية والمستلزمات والتجهيزات وتسوية مستحقات العاملين وتحسين أوضاعهم المهنية والمعيشية.

وشدد الاتحاد على أن وزارة الصحة هي الجهة التنفيذية المسؤولة عن إدارة القطاع الصحي، وأنه لا يستقيم إصلاح هذا القطاع في ظل تعدد مراكز القرار وتداخل الاختصاصات وغياب وحدة الإدارة والمساءلة، وأن أي هيئة أو مركز يُنشأ لخدمة القطاع يجب أن يعمل ضمن منظومة مؤسسية واضحة وتحت إشراف الوزارة.

وأكد أنه لا يجوز أن يُطلب من العاملين في القطاع الصحي تحمل تبعات العجز المالي والتقشف والمماطلة في تسوية حقوقهم بينما تتوسع الهياكل الإدارية دون تقييم جاد لجدواها.

مطالب مشروعة في وجه الانهيار

يؤكد اتحاد حراك القطاع الصحي أن أبوابه مفتوحة لكل من يريد الإصلاح بصدق، وأنه ليس ضد أحد ولن يصد أي يد تمتد إلى القطاع الصحي بالخير، بل يرحب بكل مبادرة جادة وصادقة من شأنها رفع المعاناة وإنصاف العاملين.

ويقول هذا من موقف قوة لا من موقف ضعف، ومن باب المسؤولية لا التنازل، ومن منطلق الشراكة لا الإقصاء.

غايته ليست التصعيد من أجل التصعيد، بل انتزاع الحقوق بالطرق المشروعة وتحقيق العدالة وبناء قطاع صحي يحفظ كرامة العاملين ويضمن حق المواطن في خدمة صحية تليق به.

وتبقى المطالب ثابتة حتى تتحقق، فالحقوق ليست وعودًا تُقال، بل استحقاقات يجب أن تتحقق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى