جدول المرتبات في ليبيا.. الموظف المجتهد يدفع ثمن فساد الملاك الوظيفي
البركي: جدول المرتبات الجديد يضرب مبدأ العدالة ويحوّل عبء الأزمة إلى الموظف المنتج
ليبيا 24
موظف يعمل وآخر يتقاضى راتبه نائماً.. البركي تكشف اختلال الأجور في ليبيا
أزمات المعيشة تتفاقم.. والعدالة الوظيفية تتحول إلى معركة داخل مؤسسات الدولة
في لحظةٍ يبدو فيها المشهد الليبي وكأنه استنفد كل أشكال المفارقات، يطلّ جدول المرتبات الذي اعتمدته حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية ليكشف أنّ ما تبقّى من منطقٍ في هذا البلد بات مهدداً بضربةٍ واحدة.
فالباحثة والإعلامية المتخصصة في شؤون الأمن والهجرة، الدكتورة ريم البركي، لم تتحدث بلغةٍ سياسيةٍ مجردة، بل وضعت الإصبع على الجرح المفتوح: «لن يتم تمرير جدول المرتبات بصيغته الحالية».
وحين تتوقف عند المثال الذي ساقته، تكتشف أنّ الأزمة ليست في الأرقام، بل في الفلسفة التي تُدار بها الدولة.
موظفٌ يخدم عشر ساعات… ومكافأته خفضٌ بنسبة ستين في المائة
تسرد البركي حالةً لا تحتاج إلى كثيرٍ من الشرح لتُفهَم: موظف يتقاضى عشرة آلاف دينار، يعمل يومياً ما لا يقل عن عشر ساعات، مهددٌ باستمرار، وممنوعٌ من أي عملٍ إضافي بشكلٍ مطلق.
ثم يُطلب منه، في مقترحٍ يحمل عنوان «العدالة الاجتماعية»، أن يقبل بخفض راتبه إلى أربعة آلاف دينار، كي يُمنح الفارق لموظفٍ آخر «على الملاك الوظيفي» لا يحضر، ولا يوقّع يوماً واحداً في الأسبوع، ويتقاضى راتبه وهو نائم، ويمارس عمله الخاص في القطاع الخاص.
هذا ليس تبسيطاً، بل هو جوهر السياسة المالية التي تُفرَض على الليبيين اليوم.
وحين تضع البركي هذا المثال في سياقه، تخلص إلى نتيجةٍ حتمية: «ماهو طبيعي حتى هو هيعلق العمل ويطالب بزيادة 100% عن أساسي الراتب»، لأن المنطق نفسه الذي يُنتج هذه المفارقة هو ما يدفع الموظف المنتج إلى رفع صوته: «الله وأنا مالي يا ليمبي».
من أزمة الخبز إلى مقهى النساء: ترتيبٌ للأولويات يفضح نفسه
ثم تنتقل البركي من جدول المرتبات إلى صورةٍ أوسع، صورةٍ تكاد تكون كاريكاتورية لولا مأساويتها.
فبينما تتدهور الأوضاع المعيشية، وتُعلَّق الدراسة لأبناء الطبقة المتوسطة وتستمر لأبناء الطبقة الميسورة، وتنقطع الكهرباء، ويشحّ الوقود، وتقف النساء في طوابير أمام المصارف منذ الفجر، وتعصف الميليشيات بالمؤسسات، ويتراجع متوسط الرواتب إلى ما دون مائتي دولار، تأتي «الكارثة» – كما تسميها البركي بسخريةٍ مرة – لتتمثل في افتتاح مقهى «نسائي» وتتساءل: «معقولة؟ أترضاها حقاً؟».
لكنها لا تتوقف عند السخرية، بل تطرح موقفاً مزدوجاً يعكس عمق الأزمة: لو كانت في موقع مسؤولية، لأصدرت بياناً يحذر من الطعن في شرف رواد المقهى، ولرصدت مكافأة لصاحبة الفكرة تشجيعاً على تطوير مساحةٍ آمنة للنساء والأطفال.
ومع ذلك، تُعلن بوضوح أنها «ضد فكرة المقاهي المخصصة للنساء»، لأنها تكرّس الفصل بين الجنسين، وهي فكرةٌ «بدائية» في نظرها.
هكذا، في بلدٍ يُفترض أن تُعالج فيه أزماته الاقتصادية والأمنية، ينشغل الرأي العام بمقهى، بينما تبقى الملفات الكبرى معلقة.
الأجور التي تذوب… والحد الأدنى الذي لا يكفي
في قلب الأزمة الاقتصادية، تضع البركي معادلةً بسيطةً لكنها قاسية: «كل انخفاض في سعر الصرف يجب أن يقابله تصحيح عادل للأجور يحمي القدرة الشرائية للمواطنين».
فالدينار الليبي فقد جزءاً كبيراً من قيمته، والمواطن يدفع الثمن وحده. وتطالب بأن يصبح الحد الأدنى للأجور ما يعادل ثمانمائة دولار شهرياً، «بما يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة العملة».
وتضيف: «لا يجوز أن يتحمل المواطن وحده ثمن الانهيار الاقتصادي، فيما تتآكل قيمة راتبه يوماً بعد يوم». إنها ليست مطالبَ رفاهية، بل شروطُ بقاءٍ في اقتصادٍ تُآكله الميليشيات وسياساتٌ تُعيد إنتاج الفقر.
الميليشيات تحكم… والمواطن يدفع الفاتورة
لا يمكن قراءة تصريحات البركي بمعزل عن المشهد السياسي والأمني. فحكومة الدبيبة المنتهية الولاية لم تكتفِ بإدارة الاقتصاد بطريقةٍ تُميّز بين من يعمل ومن لا يعمل، بل سمحت للميليشيات بأن تتحول إلى لاعبٍ أساسي في المؤسسات السيادية.
فاقتحام ديوان المحاسبة – وهو أعلى هيئة رقابية – من قبل عناصر مسلحة، ليس حادثاً معزولاً، بل هو تعبيرٌ عن قاعدةٍ جديدة: «إذا أصبح السلاح قادراً على التدخل في القضاء أو المصرف المركزي أو ديوان المحاسبة، فأي ضمانة تبقى لاستقلال المؤسسات وحماية أموال الليبيين؟».
وفي ظل هذا الواقع، تصبح مطالبُ البركي بمثابة صرخةٍ في وجه منظومةٍ كاملة: سياسةٌ عادلة تربط الأجور بتراجع القوة الشرائية، وتحمي الفئات الأكثر تضرراً، وتضع حداً لسطوة السلاح على القرار الاقتصادي.
كرامة المواطن… ليست رفاهية
تختم البركي موقفها بعبارةٍ تختصر كل ما سبق: «كرامة المواطن ليست رفاهية، والأجر الذي لا يؤمن أساسيات الحياة ليس أجراً كافياً».
وحين تُقرأ هذه العبارة في ضوء جدولٍ يخفض راتب المنتج ليرفع راتب الغائب، ويترك الموظف تحت رحمة تضخمٍ مستوردٍ وسيطرةٍ ميليشياوية، تدرك أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة موارد، بل أزمة إرادةٍ سياسية.
فالدولة التي تسمح بمثل هذا الجدول، وتترك ميليشياتها تقتحم مؤسساتها الرقابية، وتغض الطرف عن انهيار الأجور، إنما تختار بوعيٍ أن يكون المواطن هو من يدفع الفاتورة.
والبديل الذي تطرحه البركي واضح: تصحيحٌ عادل للأجور، وربطها بأسعار الصرف والأسعار، وحدٌّ أدنى للكرامة قبل أن يكون للراتب. وهذا ليس مطلباً اقتصادياً فحسب، بل هو شرطٌ لبقاء أي مشروع دولةٍ في ليبيا.



