ليبيا

ليبيا أمام فرصة جديدة.. هل تتوفر الإرادة لإنهاء الأزمة؟

ليبيا 24 – إدريس أحميد :

يمثل تجديد مجلس الأمن الدولي ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمدة عام إضافي، حتى 31 أكتوبر 2027، فرصة مهمة لاستكمال المسار السياسي والعمل على إنهاء الأزمة الليبية.

ويأتي هذا التوافق الدولي في سياق اتفاق الحوار المصغر (4+4)، الذي توصل إليه ممثلو الأطراف الليبية في 30 أغسطس 2026، بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة الخلافات المتعلقة بالإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.

ونعتقد أن التوافق على تجديد مهمة البعثة الأممية لمدة عام يأتي في إطار استكمال مهمتها في متابعة تنفيذ اتفاق 4+4 وخارطة الطريق السياسية.

وهذه فرصة ينبغي ألا تضيع، فالبعثة التي أمضت سنوات في متابعة الأزمة الليبية أصبحت أكثر معرفة بتفاصيل المشهد وأطرافه والعقبات التي حالت دون الوصول إلى حل.

والسؤال هنا: هل تستطيع البعثة أن تستفيد من هذا التوافق الدولي، وتحول تمديد ولايتها إلى عمل سياسي أكثر فاعلية، ينتج خطوات عملية تساعد الليبيين على إنهاء الأزمة، أم نكون أمام عام إضافي من الاجتماعات والمشاورات دون نتائج ملموسة؟

من الاتفاق إلى التنفيذ.. ما الآليات المطلوبة؟

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في إصدار القرارات أو الإعلان عن المبادرات، وإنما في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

فالمطلوب أن تنتقل البعثة الأممية من مرحلة إدارة الحوار وجمع الأطراف إلى مرحلة متابعة التنفيذ، من خلال وضع جدول زمني واضح، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة الالتزامات، والإعلان عن مستوى التقدم والعقبات التي تعترض كل خطوة.

ويبدأ ذلك بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وحسم الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية، والعمل على توحيد المؤسسات، والوصول إلى سلطة تنفيذية موحدة تكون مهمتها الأساسية تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة محددة، لا أن تتحول إلى مرحلة انتقالية جديدة تضاف إلى المراحل السابقة.

كما يتطلب الأمر معالجة الانقسام في المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية، وتعزيز الثقة بين الأطراف، وضمان قبول نتائج الانتخابات والالتزام بها.

فنجاح العملية السياسية لا يتوقف على تحديد موعد الانتخابات فقط، بل يرتبط بوجود مؤسسات قادرة على تنفيذ نتائجها، وقبول وطني يحمي المسار من العودة إلى الانقسام.

ومن المهم أيضاً أن يكون تنفيذ الاتفاق قائماً على مشاركة أوسع وقبول من المؤسسات والأطراف الليبية المعنية، ومعالجة التحفظات التي أُثيرت بشأن آلية الحوار ومخرجاته، حتى لا تتحول الخلافات حول شرعيته أو تمثيله إلى عقبة جديدة أمام التنفيذ. فالمطلوب اتفاق وطني قابل للتطبيق، وليس مجرد تفاهم بين مجموعة من الأطراف.

التدخلات الخارجية.. هل تتغير مواقف الدول المؤثرة؟

لا يمكن الحديث عن الأزمة الليبية دون التطرق إلى التدخلات الخارجية والإقليمية التي ساهمت في استمرار الانقسام وتعقيد المشهد السياسي.

فقد أصبحت ليبيا ساحة تتداخل فيها مصالح دول عديدة، وهو ما يجعل الوصول إلى تسوية وطنية مرتبطاً أيضاً بوجود تفاهمات إقليمية ودولية تدعم الحل ولا تعرقل مساره.

وفي هذا السياق، نعتقد أن الدور التركي يمكن أن يكون مهماً، بالنظر إلى علاقات تركيا وقنوات اتصالها مع أطراف ليبية مختلفة في الشرق والغرب، وما تمتلكه من تأثير في المشهد الليبي. ويمكن لهذا الدور أن يساهم في تقريب وجهات النظر ودعم توحيد المؤسسات، إذا كان في إطار احترام سيادة ليبيا والتوافق الوطني، وليس دعم طرف على حساب آخر.

كما تبرز أهمية التنسيق بين تركيا ومصر والاتحاد الأوروبي ودول الجوار، بما يساعد على توحيد المواقف الإقليمية والدولية، وتوفير دعم حقيقي للمسار الذي تقوده الأمم المتحدة.

 فوجود مبادرات متنافسة أو تفاهمات منفصلة قد يزيد من تعقيد الأزمة، بينما المطلوب هو أن تتكامل الجهود الخارجية مع إرادة الليبيين، وألا تتحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات أو التنافس على النفوذ.

القيادة العامة والمصالحة الوطنية.. معطيات ينبغي البناء عليها

ومن المعطيات التي ينبغي التوقف عندها ما أعلنته القيادة العامة للقوات المسلحة من استعداد لوضع إمكانياتها واتخاذ خطوات إضافية في اتجاه المصالحة وإنهاء الأزمة والحفاظ على السيادة الليبية.

ونعتقد أن مثل هذه المواقف يمكن أن تشكل أرضية للحوار إذا ترجمت إلى خطوات عملية تعزز الثقة، وتدعم توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتساعد على بناء تفاهم وطني يضمن استقرار البلاد.

فالمصالحة لا يمكن أن تتحقق من خلال التصريحات وحدها، وإنما تحتاج إلى إرادة متبادلة، وتفاهمات واضحة، ومعالجة أسباب الانقسام، والاتفاق على مستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية بعيداً عن التجاذبات السياسية.

استمرار الأزمة الليبية.. مخاطر تتجاوز حدود الدولة

إن المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة، وما تشهده المنطقة من صراعات وتوترات وإعادة ترتيب للتحالفات وموازين القوى، تضع الأزمة الليبية أمام واقع جديد.

وربما تتيح هذه المتغيرات فرصة لإعادة النظر في مواقف الدول المؤثرة، وإدراك أن استمرار الانقسام الليبي لا يهدد استقرار ليبيا وحدها، بل يمتد تأثيره إلى محيطها الإقليمي.

فغياب الدولة الموحدة والمؤسسات الفاعلة يترك المجال أمام تنامي الهجرة غير النظامية، والتهريب، والجريمة المنظمة، ويزيد من هشاشة الأمن في منطقة شمال أفريقيا والساحل والصحراء والبحر المتوسط.

كما يفتح المجال أمام تدخلات خارجية متواصلة، ويجعل الموارد والإمكانات الليبية عرضة للتجاذبات والمصالح المتعارضة.

ومن هنا، فإن المطلوب أن يتولد لدى الدول الكبرى والإقليمية إدراك حقيقي بأن إنهاء الأزمة الليبية ليس مصلحة ليبية فقط، بل يرتبط أيضاً بأمن المنطقة واستقرارها.

وهذا الإدراك ينبغي أن يتحول إلى إرادة سياسية مشتركة ودعم واضح لسيادة ليبيا ووحدة مؤسساتها، بعيداً عن أي تدخلات تزيد من تعقيد المشهد.

الفرصة أمام الليبيين.. هل نحسن استثمارها؟

نحن أمام فرصة سياسية جديدة، تتمثل في اتفاق 4+4، وتجديد ولاية البعثة الأممية، ووجود اهتمام دولي باستكمال المسار السياسي وتوحيد المؤسسات والوصول إلى الانتخابات.

 لكن هذه المعطيات لن تحقق نتائجها بمجرد وجودها، وإنما تحتاج إلى إرادة وطنية حقيقية، واستعداد من الأطراف الليبية للتنازل عن المصالح الضيقة، وتغليب مصلحة الدولة على حساب استمرار الانقسام.

كما أن مسؤولية البعثة الأممية لا ينبغي أن تقتصر على تيسير الاجتماعات، بل عليها أن تستفيد من خبرتها الطويلة بالمشهد الليبي، وأن تضع آليات واضحة لمتابعة التنفيذ، وتتعامل مع العراقيل بجدية، وتستخدم ما يتيحه لها مجلس الأمن من أدوات للضغط على من يعرقلون المسار السياسي.

وفي المقابل، تقع على الليبيين مسؤولية أساسية في استثمار هذه الفرصة، وعدم ترك مستقبل بلادهم رهينة للتجاذبات السياسية والتدخلات الخارجية.

 فالمجتمع الدولي يستطيع المساعدة وتوفير الضمانات، لكنه لا يستطيع أن يبني دولة بدلاً عن أبنائها.

إن تجديد ولاية البعثة لمدة عام إضافي ينبغي أن يكون بداية لمرحلة مختلفة، عنوانها الانتقال من المبادرات إلى التنفيذ، ومن إدارة الأزمة إلى العمل على إنهائها. فهل تتحول هذه المعطيات إلى بداية فعلية لإنهاء الأزمة الليبية، أم تستمر الأطراف في إضاعة الفرص وإطالة المرحلة الانتقالية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى