ليبيا

حين تصبح فاتورة الفشل الاقتصادي في ليبيا يدفعها الموظف… والفقر سياسةٌ لا احتمال

القماطي: معدل الفقر قد يتجاوز 42% والمواطن يُحمَّل تبعات اختلالات لم يصنعها

ليبيا 24

القماطي يدعو إلى محاسبة شبكات النفوذ بدل اقتطاع المرتبات: دولة نفطية عاجزة عن تأمين غذائها

خبراء الاقتصاد يحاصرون “الجدول الموحد”: الفقر في ليبيا يتجاوز 42% والمواطن آخر من يُسأل

في قراءةٍ اقتصادية حادة تحمل نبرة المحاسبة أكثر من نبرة التحليل، وضع أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، حلمي القماطي، منظومة الحكم والإنفاق في ليبيا أمام أسئلة لم تعد تحتمل التأجيل، معتبراً أن الفقر تحوّل من احتمالٍ عابر إلى سياسةٍ مُنتَجة بقراراتٍ اقتصاديةٍ ونقديةٍ متعاقبة، وأن نسبة الليبيين الواقعين تحت خط الفقر مرشحة لتجاوز حاجز 42% في ظل تضخمٍ متسارعٍ وتآكلٍ حادٍ في الدخول الحقيقية، إذ لم تتجاوز الزيادة النقدية في الدخول نحو 10% من الزيادة في المستوى العام للأسعار، ما يوسّع الفجوة بين ما يتقاضاه المواطن وما يحتاجه لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

سؤالٌ مقلوبٌ على صانع القرار

ويرى القماطي أن السؤال الذي يجب أن يواجه صانع القرار ليس “كيف نخفض فاتورة المرتبات؟” بل “كيف أنتجت دولةٌ بهذه الوفرة النفطية هذا القدر من العجز المعيشي؟”، في قلبٍ صريحٍ لأولويات النقاش العام الذي انحدر إلى معالجة الأعراض بدل الجذور.

ويشير إلى سياسةٍ نقديةٍ لم تنجح في احتواء اختلالات سوق النقد الأجنبي، واعتماداتٍ مستنديةٍ استنزفت موارد البلاد وتحولت أجزاء من منظومتها إلى قنواتٍ للريع والمضاربة وتراكم الثروات خارج النشاط الإنتاجي، في مقابل إنفاقٍ حكوميٍّ يتوسع دون أن يقابله نموٌّ في الإنتاج أو تحسّنٌ في الخدمات أو تعزيزٌ للأمن الغذائي، حتى صارت المعادلة مختلةً: سيولةٌ تتضخم، وطلبٌ على النقد الأجنبي يتزايد، ومواردُ تُستنزف، وأسعارٌ ترتفع، وقوةٌ شرائيةٌ تتآكل، وفي نهاية المطاف يُطلب من المواطن أن يتحمل نتائج اختلالاتٍ لم يصنعها.

“جدول المرتبات”… أسهل الحلول وأخطرها

ويصف القماطي اختزال علاج الخراب الاقتصادي في الجدول الموحد للمرتبات بأنه “أكثر إثارة للسخرية”، وكأن المرتب هو أصل الأزمة، لا سوء إدارة الإنفاق العام، ولا اختلال السياسة النقدية، ولا منظومة الاعتمادات، ولا الامتيازات التي تلتهم المال العام.

ويذهب إلى أن المطلوب فعلياً هو معالجة العجز من جيب الموظف لأنه الحلقة الأضعف والأسهل استهدافاً، بينما تظل مراكز الريع والامتيازات بعيدة عن مشرط الإصلاح.

ويتساءل: أين مراجعة منظومة الاعتمادات؟ وأين تتبع المستفيدين الحقيقيين من العمليات المموّلة بالنقد الأجنبي؟ وأين الرقابة على تركز النفوذ الاقتصادي داخل دوائر المصارف والجهات المتحكمة في تخصيص العملة؟

ويؤكد أن وجود شبكات مصالح وعلاقات نفوذ تستفيد من هذه المنظومة يستوجب تحقيقاً شفافاً ومساءلةً مؤسسية، لا الاكتفاء بتحميل المرتبات مسؤولية الأزمة.

بعثاتٌ دبلوماسيةٌ باهظةٌ وكياناتٌ تتنازع الشرعية

ولا يغفل القماطي بنداً آخر من بنود الهدر، إذ يدعو إلى مراجعة “التضخم غير المبرر” في البعثات الدبلوماسية من سفاراتٍ وممثلياتٍ وأعدادٍ كبيرةٍ من العاملين والإنفاق التشغيلي، بعضها في دولٍ لا يبدو أن حجم المصالح الليبية معها يبرر هذا العبء، محذراً من أن الدبلوماسية التي لا تُقاس بجدواها ومردودها تتحول من أداةٍ لخدمة المصالح الوطنية إلى بند استنزافٍ في الموازنة العامة، ومن حق المواطن أن يسأل عن كلفة هذا التوسع وعائده.

ويطالب بإعادة تقييم الإنفاق على الحكومات والمجالس التشريعية والكيانات المتعددة التي تتنازع الشرعية والموارد، بينما تتراجع قدرة الدولة على توفير أبسط مقومات الحياة، متسائلاً: كم تكلف هذه البنية السياسية خزينة البلاد؟ وما العائد الاقتصادي والاجتماعي الذي يحصل عليه المواطن مقابلها؟

الأمن الغذائي… الاختلال الاستراتيجي الأكبر

أما “الكارثة الحقيقية” — بتعبير القماطي — فتتجاوز المرتبات والأسعار إلى الأمن الغذائي؛ فدولةٌ نفطيةٌ تمتلك موارد هائلة لا تزال شديدة الارتهان للاستيراد في توفير سلتها الغذائية الأساسية، وتعيش عملياً على استمرارية تدفق السلع من الخارج، وأي اختلالٍ في النقد الأجنبي أو التمويل أو سلاسل الإمداد يمكن أن يتحول إلى تهديدٍ مباشرٍ لمعيشة ملايين المواطنين.

ويشدد على أن هذه ليست مشكلةً تجاريةً بل اختلالٌ استراتيجي في مفهوم الأمن الاقتصادي والغذائي؛ فالدولة التي لا تملك الحد الأدنى من القدرة على تأمين غذاء سكانها، ولا احتياطياتٍ تشغيليةٍ وخططاً فعالةً لمواجهة صدمات الاستيراد، تظل رهينةً للأسواق الخارجية وتقلبات العملة وتدفقات التمويل.

والأخطر — كما يقول — أن الاقتصاد الليبي أصبح يميل إلى تكريس الاستهلاك والاستيراد على حساب الإنتاج والتنويع، وإلى توزيع الريع بدلاً من بناء مصادر مستدامة للدخل والثروة.

الإصلاح يبدأ من قمة الهرم لا من قاعه

ويخلص القماطي إلى أن الجدول الموحد للمرتبات لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلةٍ لمعاقبة أصحاب الدخول المحدودة بينما تبقى أبواب الهدر والامتيازات والريع مفتوحة، مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من مراجعة الإنفاق العام بكامله، وإعادة هيكلة منظومة الاعتمادات، وكشف المستفيدين الحقيقيين من تخصيصات النقد الأجنبي، ومكافحة الاحتكار والمضاربة، ومراجعة كلفة البعثات والكيانات السياسية، وضبط السيولة، وربط الإنفاق بأهدافٍ إنتاجيةٍ وتنمويةٍ قابلةٍ للقياس، ووضع الأمن الغذائي في مقدمة الأولويات.

ويرى أن القيم تهاوت حين أصبح الاستحواذ على الريع مهارة، وأصبحت الوظيفة العامة امتيازاً، وتحول المواطن إلى مجرد رقمٍ في معادلات التقشف، وتهاوى الاقتصاد حين أصبح الإنفاق بديلاً عن التنمية، والاستيراد بديلاً عن الإنتاج، والاعتمادات بديلاً عن الاستثمار.

ويختم بمفارقةٍ مؤلمة: لا يمكن بناء دولةٍ عادلةٍ باقتطاع حقوق الموظفين، ولا إنقاذ اقتصادٍ منهكٍ بحماية مراكز النفوذ من المساءلة؛ فالمشكلة ليست أن المواطن يكلف الدولة أكثر مما ينبغي، بل أن منظومة الحكم والإنفاق والريع تكلف المواطن أكثر مما يحتمل — بلدٌ غنيٌّ بالنفط فقيرٌ في إدارة موارده، ومواطنٌ يدفع ثمن ثروةٍ لم تتحول إلى رفاهٍ بل تحولت في كثير من الأحيان إلى وقودٍ لصراع المصالح والنفوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى