“مرض الدولة الليبية”: حين تصبح الوقاحة نجمةً… والمواطن شبحًا في كشوف المرتبات
عضو مجلس الدولة قزيط: معالجة أعراض الأزمة الليبية دون جذورها تُبقي المرض مستترًا وتُنتج أعراضًا أخطر
ليبيا 24
تشخيصٌ لا يرحم: المرض في الجذور لا في الأعراض
في قراءةٍ تشريحيةٍ للمشهد الليبي، يرفض عضو مجلس الدولة أبو القاسم قزيط أن يكون التعامل مع الأعراض السياسية دواءً ناجعًا. يقول، في منشورٍ له، إن “معالجة أعراض المرض السياسي لن تشفينا من المرض؛ بل ستجعله يتمظهر في أعراض جديدة، أكثر قدرة على التمويل على أسبابه الحقيقية”، ويشدّد على أنه “لا شفاء بمعالجة الأعراض، وإنما بمعالجة المرض من جذوره”.
هذه المقاربة الطبية في قراءة السياسة تعني أن كل الترتيبات الظرفية — من حكوماتٍ متعاقبة إلى حواراتٍ مصغّرة — ما هي إلا مسكّنات مؤقتة لمرضٍ مزمنٍ في بنية الدولة نفسها. والمرض، كما يصفه، ليس عرضًا عابرًا، بل حالةً مُزمنةً تُعيد إنتاج نفسها في كل ترتيبٍ سياسيٍّ جديد.
نجومية الوقح: حين يصبح السُّفه خطابًا رائجًا
لا يتوقف قزيط عند البنية، بل يغوص في ثقافة النخبة. يرى أن “المحلل السياسي الوقح أصبح نجمًا، بل من أكثر الوجوه مشاهدةً على الشاشات الليبية”، ويربط ذلك بسياقٍ عالميٍّ لم يعد فيه الوقاحة سلوكًا فرديًا، بل “خطابًا رائجًا، محلياً ودولياً، حتى إنها باتت جزءاً من لغة بعض رؤساء الدول وممارساتهم في مخاطبة الآخرين”.
ويذهب إلى أننا “ننتقل من عصر التفاهة إلى عصر الوقاحة؛ حيث لم تعد الوقاحة نقيضاً للنجومية، بل أصبحت أحياناً أحد شروطها”. في هذا التشخيص، ليست النجومية الإعلامية مجرد ظاهرة ترفيهية، بل آليةٌ لتبرير الفوضى وتطبيع ثقافة الاستهانة بالمواطن وبمؤسسات الدولة.
الموظف الشبح: اقتصاد ريعي على أنقاض الدولة
على المستوى الاقتصادي، يكشف قزيط عن خللٍ بنيويٍّ أعمق. يسلّم بأن “الدراسة يجب أن تبدأ فوراً، وأن مرتبات المعلمين تحتاج إلى تسوية”، لكنه يضيف بجرأةٍ أن “أكثر من نصف المعلمين لا وجود لهم إلا في كشوف المرتبات”، وأن “معظم الوظائف في ليبيا يسكن نصفها، على الأقل، أشباح لا تظهر إلا في كشوف المرتبات”.
هؤلاء “الأشباح” ليسوا استثناءً، بل هم قاعدة النظام الريعي الذي يحوّل الوظيفة العامة إلى ريعٍ دائمٍ يُدار بالولاء لا بالكفاءة، ويُفرّغ الدولة من الداخل بينما تُعلن كشوفُ المرتبات أرقامًا وهميةً عن “توظيفٍ” لا وجود له على أرض الواقع.
جيشٌ من الورق: 250 ألفًا على كشوف المرتبات… وتجنيدٌ إجباري بلا جيش
تصل المفارقة إلى ذروتها في ملف المؤسسة العسكرية. يقارن قزيط: “جيش بريطانيا العظمى: 137 ألفاً، وجيش فرنسا: 201 ألف”، بينما “تشير التقديرات إلى أن الجيش الليبي (وفق كشوف المرتبات) يضم نحو 250 ألفاً”، في وقتٍ “يناقش البرلمان قانون التجنيد الإجباري”. ويعلّق بمرارة: “يبدو أننا في حاجة إلى جيش جرّار، مثل الفيرماخت!”.
المفارقة ليست في الأرقام وحدها، بل في أن دولةً بهذا الحجم الورقي لجيشها تعجز عن حماية مواطنيها، بينما يُطرح التجنيد الإجباري كحلٍّ لمشكلةٍ لا وجود لها إلا في الكشوف. الجيش الحقيقي، في هذا السياق، ليس أداة دفاعٍ وطنية، بل شبكةُ مصالحَ وميليشياتٍ تُتقاسم المال العام تحت غطاء المؤسسة العسكرية.
السلطة التي تُسعّر البشر… والحكومة التي تُشكّك في مظاهراتها
يُجمل قزيط خلاصةً مرّة لطبيعة السلطة: “السلطة تجعل من البشر ما يشبه الأوراق النقدية؛ إنهم يحددون قيمتهم كما يشاؤون، ويجبروننا على استقبالهم وفق قيمة صرفهم، وليس وفق سعرهم الحقيقي”.
وفي هذا إشارة إلى منظومةٍ تُعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية وفق منطق الولاء والمنفعة، لا وفق المواطنة أو الكفاءة. ثم ينتقل إلى العلاقة بين الحاكم والمظاهرات، فيُلاحظ التبادل المثير للريبة: “الحكومة تقول إن مظاهرات اليوم مشبوهة، ومظاهرات اليوم تقول إن الحكومة مشبوهة”.
هنا، لم تعد الشرعية شيئًا يُبنى على الإنجاز، بل على الاتهام المتبادل بين سلطةٍ فقدت قدرتها على الإقناع، ومحتجين فقدوا الثقة في كل ما يصدر عنها.
السؤال الذي يفضح الجميع: لماذا فعلتم بوطنكم ما فعلتم؟
ينتهي قزيط إلى سؤالٍ مفتوحٍ يوجّهه إلى كل من “يغار على ليبيا”، من حكوماتٍ ومجالسَ وجنرالاتٍ: “ما دام الجميع يغار على ليبيا ولا يرضى لها الإهانة، وقد رفع الكل عقيرته مندّدًا وشاجبًا… فلماذا فعلتم بوطنكم ما فعلتم، حتى أصبحنا مضغةً في أفواه سفلة العرب والعجم؟”.
السؤال ليس استنكارًا خطابيًا فحسب، بل خلاصة تشخيصٍ يقول إن ليبيا لا تعاني من نقصٍ في الخطب والشعارات، بل من فائضٍ في المسؤولين الذين يُعلنون الغيرة على الوطن بينما يُمعنون في تفكيكه. والمواطن الليبي، في هذا المشهد، ليس إلا شبحًا آخر في كشوف المرتبات، وورقةً نقديةً تُسعّرها سلطةٌ لا تعرف سوى منطق القوة.



