ليبيا

من التعليم إلى الصحة والوقود.. كيف تحولت الخدمات الأساسية في ليبيا إلى أعباء تستنزف المواطنين؟

البركي تحذّر من «خطة مكتملة الأركان» لاستبدال التعليم العام بقطاع خاص يخدم الأثرياء ويُهمّش أطفال الفقراء.

ليبيا 24

«تجهيلٌ ممنهج»: خبيرة أمنية تفضح مؤامرة تحويل التعليم من حقٍّ إلى امتيازٍ للأثرياء

عندما يصبح الجهل سياسة عامة: قراءة في تحذيرات ريم البركي من «مؤامرة التعليم» في ليبيا

لم يكن حديث الدكتورة ريم البركي، الباحثة في شؤون الأمن والهجرة، عن قطاع التعليم مجرد تعليق عابر على أزمة موسمية، بل جاء بمثابة صرخة تحذيرية من «مؤامرة مكتملة الأركان» تستهدف الأسرة الليبية عبر تدمير آخر قطاع خدمي عام لا يزال صامداً.

وفي وقتٍ تتكالب فيه الأزمات على المواطن الليبي، يطرح سؤالها المركزي نفسه بقوة: هل نسير نحو إجبار الأسر على إرسال أبنائها إلى المدارس الخاصة، وتحويل التعليم من حقٍّ تكفله الدولة إلى امتيازٍ لا يناله إلا القادرون على دفع ثمنه؟

سلسلة الاستبدالات: من الصحة إلى التعليم

ترى البركي أن ما يحدث في ليبيا ليس فشلاً عشوائياً، بل نمطاً متكرراً من «الاستبدال القسري» للخدمات العامة ببدائل باهظة الثمن. فقد استُبدل قطاع الصحة العامة بعياداتٍ ومستشفياتٍ خاصة، حيث تضطر الأسر إلى بيع سياراتها المتهالكة لتسديد فاتورة علاج، أو إلى مدّ يدها للآخرين لتوفير ثمن جرعة كيميائية. واستُبدل الوقود النقي بـ«قالوني» مليء بالرواسب يُشترى من السوق السوداء بعد طوابير طويلة.

واستُبدل القطاع المصرفي بسوقٍ موازية «قذرة» تبتلع ما بين 5% و30% من قيمة النقود. واستُبدلت الكهرباء بمولداتٍ سامة، ثم بألواحٍ شمسية حُرم أصحابها حتى من وقود النافتا اللازم لتشغيلها.

واستُبدلت مياه النهر بـ«سيارة مياه» تعاف العين النظر إلى محتواها. واليوم، يأتي الدور على التعليم العام، الذي نشأ في كنفه جيلٌ كامل، ليُستبدل بقطاعٍ خاص يُنذر بتحويل التعليم إلى «خدمة لا يحصل عليها إلا من يستطيع دفع ثمنها»، على حد تعبيرها.

«من يقف وراء تجهيل أطفال الشعب الليبي؟»

تتساءل البركي بمرارة عن الجهة التي تقف خلف ما تسميه «تجهيل أطفال الشعب الليبي»، وعن المسؤول عن دفع هؤلاء الأطفال إلى الشوارع لغسل السيارات بدلاً من الجلوس على مقاعد الدراسة. وتجيب بنفسها: «ثمة ما يدفعني إلى الاعتقاد بأننا أمام مؤامرة مكتملة الأركان، تحاك ضد المجتمع الليبي، وتستهدف حاضره ومستقبل أجياله».

وتضيف: «من المستفيد من إنتاج جيل محروم من التعليم، ومن تحويل شعب كامل إلى مجتمع منشغل بتأمين لقمة عيشه، عاجز عن المطالبة بحقوقه الأساسية؟».

النخب والصمت المريب

لا تقف انتقادات البركي عند حدود الحكومة، بل تمتد إلى نخبٍ ليبية «تترفع عن الخوض في تفاصيل معاناة شعبها»، ولا تجد في أزماته اليومية ما يستحق اهتمامها إلا إذا تناولتها منظمة دولية.

وتكشف عن تناقضٍ صارخ: «دافعتهم عن حق الطالب في التعليم فقط لأني طالبت بتعليق العمل في قطاع التعليم الخاص للتضامن مع أطفال الشعب، لكن أمامكم السواد الأعظم من الأطفال ستين يوماً في منازلهم لم تدافعوا عنهم».

وتتوعد: «هؤلاء الأطفال سيلعنونكم غداً وهم يعملون خدمًا لدى أبناء جيلهم الذين درسوا في القطاع الخاص».

دعوة أخلاقية: تعليق المدارس الخاصة

وتُصرّ البركي على أن «إغلاق المدارس الخاصة إلى حين استئناف الدراسة في المدارس العامة واجب أخلاقي تجاه جميع الأطفال»، لأن «التعليم حق للجميع وليس امتيازاً حصرياً لأبناء الأسر الميسورة».

وتضيف أن تحويل التعليم إلى سلعةٍ يعني أن يُدفع أطفال الشعب غداً إلى أن يكونوا «خدمًا لدى أقرانهم ممن أتاحت لهم الظروف المادية مواصلة تعليمهم».

وتلفت إلى أن «المواطن الليبي أصبح يدفع من جيبه ثمن كل خدمة يفترض أن توفرها له الدولة، ثم يدفع من عمره وصحته وكرامته ثمن غيابها»، بينما «تنفق أموالنا على الاستثمارات الخارجية لقياداتها، وتمويل فساد وفجور ميليشياتها في الداخل».

بين القانون والأخلاق: موقفٌ لا يساوم

وفي خضمّ الجدل، تُبدي البركي موقفاً واضحاً من انتزاع الحقوق: «أنا مع المسلك القانوني في انتزاع الحقوق، بل أراه أحياناً ضرورة أخلاقية في مجتمع لا يبدو أن الأخلاق وحدها تكفي لتهذيبه». وتنتقد استباحة الخصوصيات تحت مظلة حرية التعبير، محذرةً من أن «التعويل على الضمير وحده ضربٌ من التفاؤل المفرط».

الوقود والمنشور «غير الهزلي»

وفي شأنٍ متصل بسياسات الدعم، تسخر البركي من رفع الدعم عن الوقود بينما «يتقاضى المواطن 170 دولاراً شهرياً»، وتتساءل: «بلاد ما تودها حتى لألد أعدائك!».

وترى أن «المشكلة الحقيقية هي العمليات اللوجستية»، لا مجرد «تنك البنزينة»، في إشارةٍ إلى أن الأزمات المتراكمة ليست مجرد سوء إدارة، بل نتيجة سياساتٍ ممنهجة تُفقر المواطن وتُفرغ الدولة من وظائفها.

مؤامرة أم فشل؟

لا تترك البركي مجالاً للشك: «ما يحدث ليس مجرد فشل في قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء والمصارف والمياه والطاقة. أبداً! هناك ما يدفع إلى الاعتقاد بوجود خطة لإجبارنا على الاعتياد على الحلول البديلة عن الدولة، والتكيف مع غيابها التدريجي عن أداء أبسط واجباتها تجاه مواطنيها».

وبينما تتواصل معاناة الأسر الليبية، يبقى السؤال معلقاً: من يحمي حق الطفل الليبي في مقعدٍ دراسي، قبل أن يتحول التعليم بالكامل إلى «امتيازٍ» لا يناله إلا من يملك ثمنه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى