ليبيا

من أوباري إلى طرابلس: عضو مجلس الدولة يكسر صمت “التمثيل المبتور” ويطالب بفتح ملف المؤسسة كاملة

عضو بالمجلس الأعلى للدولة يدعو إلى مراجعة شاملة لتكوين المجلس وسجله الانتخابي قبل الجلسة العامة المقررة الثلاثاء

ليبيا 24

تصاعد الخلاف الداخلي في مجلس الدولة: نائب أوباري يطالب بإنصاف قانوني ويحذر من استمرار العمل بصورة غير مكتملة

صوت من الجنوب يكسر قاعدة الصمت

في وقت تتسارع فيه التحركات لإعادة ترتيب المشهد المؤسسي والسياسي في ليبيا، خرج النائب أبوبكر محمد عثمان، عضو المجلس الأعلى للدولة عن فرع الدائرة السابعة أوباري، بتصريح غير مسبوق عبر صفحته الرسمية، يضع فيه المؤسسة التي ينتمي إليها أمام مرآة نقدية صادمة، لا تكتفي برصد الخلل الإجرائي، بل تتجاوزه إلى التشكيك الجوهري في سلامة التكوين العضوي للمجلس ذاته.

تصريحه، الذي جاء تعقيباً على عدم انعقاد الجلسة الدورية في موعدها المعتاد دون إعلان الأسباب، لم يكن مجرد احتجاج على تأجيل، بل كان وثيقة اتهام مزدوجة: الأولى للمجلس الذي يتذرع باللوائح وينتهكها، والثانية للبيئة السياسية التي تسمح باستمرار هذا الوضع.

أزمة الشرعية الإجرائية: اللائحة الداخلية بين النص والتطبيق

يبدأ عثمان من حيث يجب أن تبدأ أي مؤسسة: اللائحة الداخلية. يقول إن احترامها “من أبجديات العمل المؤسسي التي تقتضي الالتزام بمواعيد انعقاد الجلسات وإخطار الأعضاء بأي تأجيل وأسبابه”، مضيفاً أن “الأمر لا يحتاج إلى تأويل أو اجتهاد”.

هذه الجملة القصيرة تحمل في طياتها اتهاماً صريحاً لإدارة المجلس بأنها تتعامل مع اللائحة كخيار لا كالتزام. وفي ظل حديث متزايد عن مراجعة لائحة مجلس النواب وإعادة تنظيم دورته البرلمانية وانتخاب هيئة رئاسة جديدة، يتساءل عثمان: “ما الذي يمنع من فتح نقاش مماثل بشأن المجلس الأعلى للدولة بما يضمن سلامة تكوينه وتمثيله واحترام قواعد عمله؟

” السؤال هنا ليس بريئاً؛ إنه يضع المجلس في موقع المدافع عن نفسه، بعد أن كان هو من يطالب الآخرين بالإصلاح.

تضامن الزاوية… وعتاب الجنوب

يخصص عثمان مساحة لافتة لموقف أعضاء الزاوية بالمجلس، الذين عبروا عن “التضامن النبيل والشريف” مع زميلهم مصطفى التريكي بعد أن أشار إلى منعه من حضور الجلسات وممارسة مهامه “لأسباب شخصية وسياسية”.

ويصف عثمان هذه الخطوة بأنها “تستحق الإشادة والتقدير وتعكس أهمية مبدأ التضامن بين أعضاء المؤسسة في مواجهة أي مساس بحقوق أحد أعضائها”.

غير أن هذا الإشادة سرعان ما تتحول إلى “عتاب صادق ومقصود” لزملائه من الجنوب، حيث يتساءل: “كيف يُعقل أن يتضامن أبناء الزاوية مع زميلهم، بينما يظل تمثيل أوباري غائباً عن المجلس ردحاً من الزمان دون أن نسمع صوتاً جماعياً من أبناء الجنوب يدافع عن حق زميلهم في الحضور والمشاركة؟”

المفارقة التي يرصدها عثمان مزدوجة: تضامن إقليمي مشروع في الشمال، وصمت إقليمي مريب في الجنوب. وهو لا يطلب شفقة، بل يطالب بمعيار واحد: “حقي في الحضور والمشاركة وممارسة مهامي لا يقل عن حق أي عضو آخر، ولا ينبغي أن يظل رهيناً لمواقف الآخرين أو حساباتهم”.

ملف أوباري: الحق القانوني مقابل الحسابات السياسية

في قلب تصريح عثمان يكمن سؤال الهوية القانونية للعضوية. فهو يرفض أن يكون موضوعه “رهيناً بأي اعتراف سياسي، أو يتوقف على أي تفاهم أو توافق”، مؤكداً أنه “يتعلق بصفة قانونية قائمة، وبمعالجة الآثار المترتبة عليها”.

ويشدد على أن معالجة المسألة “ينبغي أن تتم عبر القنوات الرسمية والإجراءات المؤسسية، وليس من خلال تفاهمات جانبية أو ترتيبات بين الأفراد والمجموعات”.

ثم يحسم موقفه بجملة لا تقبل التأويل: “أنا لا أطلب استثناءً ولا أبحث عن وساطة ولا أسعى إلى الدخول من النوافذ؛ وإنما أطالب بتطبيق القواعد التي تنظم عمل المؤسسة وتكفل حقوق جميع أعضائها على قدم المساواة”.

هذا الموقف، في جوهره، رفض للثقافة السياسية السائدة التي تدير المؤسسات عبر التسويات الخارجية بدل الإجراءات الداخلية.

نحو مراجعة شاملة: لماذا المجلس الأعلى للدولة؟

يربط عثمان بين ملفه الخاص والنقاش الأوسع حول الإصلاح المؤسسي. ففي ظل “تحركات لإعادة ترتيب المشهد المؤسسي والسياسي”، و”مراجعة للائحة الداخلية لمجلس النواب”، و”نقاشات بشأن مراجعة أوضاع وأداء بعض المؤسسات السيادية والرقابية والقضائية”، و”التوجه نحو إطلاق مسار سياسي جديد يقوم على توسيع المشاركة الوطنية والتهيئة للانتخابات”.

يرى أن “الحديث عن إصلاح المؤسسات وتجديد آليات عملها وإعادة بناء الثقة فيها… لا يمكن أن ينفصل عن التحقق من سلامة تكوين المؤسسات القائمة نفسها ومدى تطابق واقعها العضوي مع نتائج الانتخابات والسجلات المعتمدة وما طرأ عليها من حالات شغور واستبدال وقرارات تتعلق بالعضوية وحقوق التصويت”.

ويخلص إلى أن “إعادة فتح ملف المجلس الأعلى للدولة ومراجعة لائحته الداخلية وسجله الانتخابي والعضوي… لم تعد مجرد مسألة داخلية تخص أعضاءه؛ بل أصبحت ضرورة تفرضها متطلبات الإصلاح المؤسسي واستعادة الثقة في العملية السياسية برمتها”.

وهنا يطرح سؤاله المحوري: “إذا كانت مراجعة الهياكل واللوائح وتجديد آليات القيادة قد أصبحت مطروحة داخل مجلس النواب، فما الذي يمنع من فتح نقاش مماثل بشأن المجلس الأعلى للدولة؟”

المؤسسات لا تُقاس بانتظام اجتماعاتها

وفي إشارة إلى الدعوة لعقد جلسة عامة يوم الثلاثاء الموافق العاشر من نوفمبر، يعود عثمان ليتساءل: “إلى متى سيظل المجلس يعمل بصورته الحالية غير المكتملة وخاصة في ظل الأحداث الجارية؟”

ويجيب بنفسه: “المؤسسات لا تُحترم بمجرد الإعلان عن جلساتها ولا تُقاس سلامة أدائها بانتظام اجتماعاتها وحده، وإنما بمدى التزامها بقواعدها الداخلية واحترام حقوق أعضائها وضمان تمكينهم من ممارسة مهامهم دون تمييز أو إقصاء”.

هذه الجملة تختزل فلسفة عثمان في الحكم على المؤسسات: المقياس ليس الشكل، بل الجوهر؛ وليس الحضور، بل الحقوق. ويختم بتأكيد أن “احترام المؤسسة يبدأ باحترام القانون الذي ينظمها والحقوق التي تقوم عليها عضويتها”، وأن “العضوية مسؤولية وحقوق، وليست امتيازاً تمنحه المواقف أو تسلبه التفاهمات”.

ماذا يعني هذا التصريح؟

لا يمكن قراءة تصريح عثمان بمعزل عن أزمة الثقة المزمنة في المؤسسات الانتقالية. فالمجلس الأعلى للدولة، منذ تأسيسه وفق الاتفاق السياسي، ظل متهماً بالعمل بمنطق المحاصصة الإقليمية والولاءات السياسية أكثر من منطق الكفاءة والتمثيل القانوني.

تصريح عثمان، من هذه الزاوية، ليس مجرد شكوى عضو محروم من حقوقه، بل هو فضح لبنية كاملة تعمل بمنطق “التمثيل المبتور”: عضوية تُمنح أو تُسلب وفق الحسابات، وتمثيل إقليمي يُختزل في أسماء دون آليات، ولائحة داخلية تُستدعى عند الحاجة وتُنسى عند الضرورة.

والسؤال الذي يطرحه عثمان على الجنوبيين ليس عتاباً عاطفياً، بل هو اختبار عملي لمدى إيمانهم بمبدأ المواطنة المتساوية: إذا كان التضامن مشروعاً في الزاوية، فلماذا لا يكون واجباً في أوباري؟

وإذا كانت اللائحة تُحترم في الشمال، فلماذا تُعطل في الجنوب؟ هذه الأسئلة، في جوهرها، ليست ضد المجلس، بل ضد الفوضى التي يتغذى عليها المجلس.

والمفارقة أن عثمان، وهو يطالب بحقوقه، إنما يطالب أيضاً بحقوق المواطن الليبي في مؤسسات تحترم القانون وتصون الكرامة، وهو ما يجعل تصريحه أقرب إلى وثيقة إصلاح مؤسسي منها إلى مذكرة احتجاج شخصي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى