وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق يفتح النار على “اقتصاد الدكان”: المحاسبون سرقوا دينار الليبيين وأفلسوا الدولة
وزير الاقتصاد الأسبق يدعو إلى مراجعة جذرية لسياسات الصرف والوقود ويحذر من انهيار اقتصادي وشيك
ليبيا 24
مسؤول سابق: قرارات “المحاسبين” دمّرت الدينار وأفقرت المواطن وتفتقر إلى أي رؤية تنموية
حين يُدار الاقتصاد بقلم محاسب في دكان: قراءة في تصريحات منير عصر
في وقت تتكالب فيه الأزمات على المواطن الليبي، وتتوالى القرارات الاقتصادية التي تُتخذ بعيداً عن أي رؤية تنموية شاملة، خرج وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير عصر بتصريحات وصفتها أوساط اقتصادية واسعة بأنها “فضيحة نظام اقتصادي” قائم على اجترار الحلول الآنية بدلاً من معالجة الجذور.
تصريحات عصر، التي نشرها عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي، لم تكن مجرد انتقاد عابر، بل كشفت عن بنية كاملة من الفساد المنهجي والعبث بقوت المواطن، تحت غطاء “الإصلاحات” التي لا تعدو كونها نقلًا مباشرًا لنتائج الفساد من الحكومة إلى كاهل المواطن المكلوم.
التعليم: رهان المستقبل بين النموذج الفنلندي والجمود المحلي
يبدأ عصر من ملف التعليم، محذراً من أن أي خطة تنجح في ليبيا يجب أن تستند إلى الاستفادة من التجارب العالمية الرائدة.
ويطرح النموذج الفنلندي كنموذج يستحق التبني، بما يتضمنه من مواصفات دقيقة للمعلم ومؤهله ودوراته التدريبية، وعدد الحصص، وعدد التلاميذ في كل فصل، وحصة الطالب من الفصل والمكتبة والمعمل، والتقنيات الحديثة، والجدول الزمني للحصص والعطلات والمعارض والرحلات والزيارات.
ويشير إلى أن ليبيا بسكانها القليل يمكنها أن تستفيد من العالم، مستشهداً بالتجربة اليابانية التي نقلت التقنية من ألمانيا وأوروبا، لأن “العلم كله يبدأ من حيث انتهى العالم”.
ويحسم عصر موقفه بالقول: “لا مكان لمن لا يريد أن يتطور ويواكب العالم، ومن يعتقد أن تعليمه انتهى بأخذ شهادة أو الحصول على وظيفة لن يجد له مكاناً لا في التعليم ولا في الوظيفة”.
التأمين الصحي: من بطاقات الاستهلاك إلى مشروع تنموي وطني
ينتقل الوزير الأسبق إلى ملف التأمين الطبي، رافضاً اختزاله في “بطاقات وتعاقد مع مصحات تجارية”. ويؤكد أن هذا الملف، عندما يكون ضخماً وممولاً من الحكومة ومن شركات عامة مضمونة الدفع، يجب أن يكون هادفاً وناجحاً وتنموياً بالضرورة.
ويشترط أن تكون شركات التأمين الطبي عالمية ولها تأمين مسؤولية طبية، وأن تُلزم بالتعاقد مع مصحات ومستشفيات عالمية تقوم بتوطين فروع حديثة وفق المواصفات العالمية في ليبيا، مع نسب محددة من العمالة الليبية الطبية والطبية المساعدة والإدارية، تتولى شركات التأمين تدريبهم والتعاقد معهم وفق الشروط والمواصفات العالمية، بما يفتح فرص عمل حقيقية أمام الخريجين الجدد بشروط تأهيل ومرتبات عالمية.
ويشدد على أن الإنفاق على التأمين الطبي بهذه الطريقة ليس سياحة علاجية، بل باب من التنمية المستدامة وبناء مصحات بمواصفات عالمية تؤهل العاملين الليبيين، إلى جانب تأهيل البلاد للسياحة العلاجية من الخارج. ويحذر من أن غياب هذا النهج يعني “استنزافاً ومصاريف وضياعاً للوقت والجهد وتبديداً للموارد وفساداً”.
ويقترح أن تُجري الدولة، بمساعدة مكاتب عالمية من دول الشفافية الخمس، مناقصة عالمية عامة، “هكذا نقفل الفساد بقطاع الصحة ونضمن الشفافية والعدالة الاجتماعية ونقضي على أشهر ملف فساد رائحته أزكمت الأنوف وجعلتنا مضحكة واستهزاءً عالمياً”.
البحث العلمي: الأستاذ الجامعي بين الإنتاج المعرفي والوظيفة الحكومية
وفي ملف التعليم العالي، لا يتوانى عصر عن التحذير: “لو اكتفيت بصفة المدرس الجامعي بدون أبحاث حقيقية تُنشر في المجلات العالمية وتتبناها الشركات والمؤسسات العالمية، فأنت مدرس تقليدي من بقايا التاريخ، سوف تستغني عنك الجامعات الحديثة والمتطورة”.
الربح المحاسبي: حين يتحول الاقتصاد إلى دكان
يضع عصر إصبعه على الجرح الأعمق: الفرق بين الربح المحاسبي والربح الاقتصادي، الذي يصفه بأنه “الفيصل بين الدولة والتاجر”.
ويشرح: “المحاسب ينظر للورقة فيقول: رفعنا الدعم ووفرنا عشرة مليارات، إذن ربحنا. الاقتصادي ينظر للمجتمع فيقول: رفعت الدعم فانهار المواطن، فانهارت الإنتاجية، فزاد التهريب، فخسرنا ثلاثين ملياراً”. ويؤكد أن هذا بالضبط ما يحدث في ليبيا الآن.
الدينار: جريمة القرن الاقتصادية
يشن عصر هجوماً لاذعاً على سياسة سعر الصرف: “هم دمروا الدينار بقرار منفرد، من ثمانية وعشرين قرشاً إلى واحد فاصل أربعين إلى أربعة فاصل ثمانين ثم إلى سبعة وعشرة، والآن يقيسون كل شيء على هذا الانهيار المتعمد.
كيف تقيس مرتب المواطن على سعر صرف مزور؟ كيف تقيس سعر الخبز على سعر صرف جاء بجرة قلم محاسب في دكان؟”.
ويستعيد عصر ذكرى قانون خمسة عشر الذي نعت بسيء السمعة، حين كان مرتب الدرجة السابعة مئة وستة وسبعين ديناراً تعادل ستمئة دولار والدولار بثمانية وعشرين قرشاً، مع سلع مدعومة وزراعة مدعومة وعلاج مجاني ودراسة مجانية ولا يوجد تضخم عالمي.
أما اليوم، فالمرتب نفسه أصبح ألف وخمسمئة دينار تعادل مئة وخمسين دولاراً بسعر السوق السوداء، وبدون دعم ومع تضخم عالمي كبير جداً. ويتساءل: “من الذي سرق المواطن؟ هو من دمر الدينار وتحايل على القانون”.
الوقود والمواصلات: معادلة الفقر المدقع
يعتبر عصر رفع الوقود في بلد بلا مواصلات “جريمة اقتصادية”. ويعدد: بلد لا يوجد فيه مترو ولا حافلات ولا مواصلات عامة، والمدن متباعدة ومراكز الخدمات متناثرة، والماء ينقل بالصهاريج، والمريض يسافر عشرات ومئات الكيلومترات للعلاج.
ويتساءل: “أي علاوة ستسد هذه الفجوة؟ لا توجد علاوة في العالم تسد فجوة دولة بلا بنية تحتية. رفع الوقود هنا ليس إصلاحاً، بل هو نقل نتائج الفساد من الحكومة إلى المواطن”.
المعالجة: خطة متكاملة لا قرارات فردية
ويرفض عصر المعالجة برفع الدخول، معتبرها “التضخم نفسه”: “هم يقولون ارفعوا المرتبات لتواكب الأسعار، هذا كلام محاسبي غبي. كلما رفعت المرتبات بدون إنتاج، طبعت نقوداً أكثر، زاد التضخم، طاح الدينار أكثر. دائرة جهنم”.
ويطرح خطة متكاملة:
أولاً معالجة سعر الصرف وإعادة الدينار لمستواه العادل بقانون لا بمزاج محافظ.
ثانياً بناء شبكة مواصلات عامة قبل التفكير في رفع الوقود.
ثالثاً تحديد قائمة عشرين سلعة أساسية (دقيق، زيت، حليب، دواء) ودعمها بشكل مقنن ومراقب لا دعم عشوائي يذهب للمهربين.
رابعاً القضاء على التهريب الذي يمثل اقتصاداً موازياً يأكل ثلاثين في المئة من ثروتنا.
ويختم: “أبعدوا الفكر المحاسبي الضيق عن الدولة واتجهوا لخبراء الاقتصاد والمالية العامة. المعالجة لن تكون وقتية بجرة قلم محاسب في دكان”.



