فضيحة استثمار 73 مليون يورو للاتصالات في شركة أسلحة ألمانية
وثائق تكشف: تحويل أموال ليبية عامة لشركة أسلحة وسط شبهات فساد دولي
ليبيا 24:
ليبيا على مفترق طرق: أموال الشعب بين مطرقة الفساد وسندان المطالبة بالعدالة
غيمة من التساؤلات فوق رأس المواطن
في ظلّ معاناة يومية مع انقطاع الكهرباء، وندرة الأدوية، وتردي الخدمات، يعيش المواطن الليبي على وقع أخبار تبدد مليارات الدولارات من أمواله في استثمارات غامضة ومشبوهة، يفضحها ناشطون ومدونون في غياب الصحافة المؤسسية.
القشة الأخيرة كانت ما كشفه الناشط السياسي حسام القماطي عبر صفحته على “فيسبوك”، محملاً مسؤولية صحة معلوماته، عن تحويل 73 مليون يورو، عائدات بيع استثمار ناجح لقطاع الاتصالات، إلى شركة أسلحة ألمانية في خطوة تثير الاستفهام القانوني والسياسي والأخلاقي، وتعيد إلى الواجهة مطالب الشارع الملحة بالشفافية ومحاسبة الفاسدين.
الشارع الليبي: صبر نفد وأسئلة لا تجد إجابة
“كل يوم نسمع بفضيحة جديدة، وأموالنا تذهب إلى جيوبهم، ونحن نبحث عن لقمة العيش، ” بهذه الكلمات لخص أحمد السعيد (32 عاماً)، وهو مهندس عاطل عن العمل، حالة الغضب العارمة التي تجتاح الشارع الليبي.
ويضيف وهو يتناول قهوته في مقهى بطرابلس: “الفساد أصبح نظاماً، من أين يأتون بهذه الجرأة؟ ألا يوجد رقيب؟ ألا يوجد من يحاسبهم؟”.
وتتفق فاطمة علي (معلمة، 41 عاماً) مع هذا الشعور، قائلة: “نشعر بالمظلومية كل يوم مستشفياتنا بلا أدوية، ومدارسنا بلا مقومات، بينما مليارات الدولارات تُسرق أو تُبدد في استثمارات مجنونة مثل شراء أسهم في مصنع رشاشات! لمن هذه الأسلحة؟ ولماذا لا تستثمر هذه الأموال في الصحة أو التعليم؟”.
من جهته، يرى عمر الزوي (تاجر، 50 عاماً) من مصراتة أن “المحسوبية هي الآفة التي قتلت الدولة: التعيينات تتم على أساس الولاء وليس الكفاءة، مما فتح الباب على مصراعيه للتبذير والسرقة، القضاء أصبح أداة في أيديهم، والنائب العام يتحرك ثم نجد المتهمين أبرياء بأحكام لا تقنع طفلاً.”
من الاتصالات إلى الأسلحة: رحلة أموال الشعب في دهاليز الاستثمار المشبوه وفق رواية القماطي
بحسب التفاصيل التي أوردها حسام القماطي والتي يتحمل مسؤوليتها كاملة، تبدأ الحكاية باستثمار ناجح وشفاف في عهد سابق، حيث استثمرت “القابضة للاتصالات والتقنية” الليبية في شركة “ريتليت” الإيطالية.
مع ارتفاع قيمة السهم، وفي عام 2021، قررت الإدارة بقيادة الدكتور فيصل قرقاب بيع الحصة، محققة ربحاً صافياً قدره 73 مليون يورو. كانت الخطة آنذاك واضحة: إعادة استثمار هذه الأموال في قطاع التكنولوجيا في أوروبا لتعظيم العائد لصالح الاقتصاد الليبي.
غير أن التغييرات الإدارية المتلاحقة، وتولي محمد بن عياد رئاسة مجلس إدارة القابضة، أوقفت هذه الخطة، تم إيداع المبلغ في شركة “بوسفال” الاستثمارية في لوكسمبورغ، والتي كانت تابعة للقابضة، ومع تعيين نادر الزايدي مديراً للشركة، بدأت مرحلة جديدة غامضة من رحلة الأموال.
الثغرة القانونية: الهروب من الرقابة المصرفية الإيطالية كما رواها الناشط
وفقاً للرواية المفصلة التي نشرها القماطي، وجدت الأموال نفسها محتجزة بشكل غير مباشر لدى “سيريف فيدوتسياريا” التابعة لمجموعة “إنتيسا سان باولو” المصرفية العملاقة في إيطاليا، حيث كانت تفرض قيوداً على السحب، بما في ذلك ضرائب تصل إلى 26%.
لكن في منعطف مثير، يروي القماطي كيف تمكن الزايدي في عام 2023، وبطريقة غير واضحة المعالم، من فتح حساب جديد لشركة “بوسفال” في بنك “بانكا ديل فوتشينو” الإيطالي الأصغر، ونقل كامل المبلغ البالغ 73 مليون يورو إليه، محرراً إياها من قيود البنك السابق دون أي تفسير واضح لكيفية تخطي تلك العقبات بسهولة.
الضربة الأقوى: الاستثمار في الموت بدلاً من الحياة – قلب الاتهام
في مايو 2024، جاءت الصفقة الصادمة التي كشف عنها حسام القماطي حيث أفاد بأنه، عبر البورصة الفرنسية، استثمر نادر الزايدي كامل مبلغ الـ 73 مليون يورو في شراء أسهم شركة “هيكلر آند كوخ” الألمانية، إحدى أشهر شركات تصنيع الأسلحة الصغيرة في العالم، والمعروفة بتزويدها جيوشاً عديدة بالبنادق والمسدسات.
هذه الخطوة، كما يسلط الضوء عليها القماطي، تثير عدة إشكاليات جسيمة:
الانحراف الاستراتيجي: لماذا تستثمر شركة تابعة لقطاع الاتصالات في شركة أسلحة؟ أين المنطق الاقتصادي والاستراتيجي في تحويل أموال قطاع حيوي مدني إلى استثمار في صناعة الموت؟
المخالفة القانونية الدولية: قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 لعام 2011، وما تلاه من قرارات، يفرض حظراً على توريد الأسلحة إلى ليبيا بينما لا ينطبق الحظر بشكل مباشر على الاستثمار المالي، إلا أن هذه الخطوة تتعارض مع روح القرارات الدولية وتهدف إلى تقويضها، كما تضع ليبيا في موقف قانوني حرج أمام المجتمع الدولي.
شبهة التلاعب: يذكر القماطي أن عملية الشراء تمت بسعر 85 يورو للسهم، وهو أقل من قيمته السوقية آنذاك، مما يثير تساؤلات حول وجود علاقات خاصة أو عمولات خفية وراء الصفقة.
المفارقة المأساوية: أرباح ورقية وأزمة سيولة حادة وفق الوثائق المقدمة
بحسب ما استعرضه القماطي بالورق والتفاصيل، وبسبب الحرب في أوكرانيا والتوجه الأوروبي لتعزيز الصناعات العسكرية، شهدت أسهم شركات الأسلحة ارتفاعاً صاروخياً.
فقفز سهم “هيكلر آند كوخ” إلى 160 يورو، مما يعني أن القيمة الاسمية للاستثمار ارتفعت إلى حوالي 120 مليون يورو لكن هذا الربح الورقي لم يكن مقصوداً لذاته.
فقد كشفت مصادر مطلعة، في إشارة إلى ما ذكره القماطي، أن رئيس الحكومة المنتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، الذي كان يرغب في سحب هذه الأموال لمواجهة ضغوط مالية وتغطية نفقات حكومية عاجلة، اصطدم بحقيقة مريرة خلال زيارته لإيطاليا قبل أسابيع برفقة مستشاره المالي “الكالوش” ووزير النفط يوسف بوغويده.
لقد اكتشف أن الأموال “محبوسة” في شكل أسهم، ولا توجد سيولة نقدية يمكن استخدامها، مما شكل صدمة له وللوفد المرافق، وكشف عن مستوى التخبط وسوء الإدارة الذي وصلت إليه مؤسسات الدولة.
الفساد كنظام: بيئة خصبة للهدر والنهب
تحولت هذه القضية، التي أثارها الناشط حسام القماطي، إلى نموذج مصغر لأزمة الحكم في ليبيا، غياب الرقابة البرلمانية الفاعلة، واستقلالية القضاء المشكوك فيها، وتفشي المحسوبية في تعيين كبار المسؤولين، كلها عوامل خلقت بيئة مثالية لاستمرار دورة الفساد.
يقول المحلل الاقتصادي، الدكتور محمود العبار: “التفاصيل التي يطرحها الناشطون، إذا ثبتت، تجمع كل عناصر الفساد: انعدام الشفافية، والتحايل على القوانين، والانحراف بالاستثمار عن أهدافه الاستراتيجية، وصولاً إلى احتمال وجود مصالح شخصية، الأموال تتحرك كأنها ملكية خاصة لشخص ما، وليس كأموال عامة لشعب يكافح من أجل البقاء.”
الخاتمة: متى يحاسب الفاسدون؟
في الوقت الذي يستمر فيه الليبيون في النزول إلى صناديق الاقتراع أملاً في تغيير حقيقي، تبقى مطالبهم الأساسية واضحة: عدالة انتقالية حقيقية، ومحاسبة كل من تسبب في تبديد ثروات البلاد، واستعادة الأموال المنهوبة، وبناء مؤسسات قوية قادرة على حماية المال العام.
قضية الـ 73 مليون يورو التي أثارها حسام القماطي ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة لكنها تظل صفعة قوية للشعب، وتذكيراً قاسياً بأن معركة استعادة الدولة من براثن الفساد ما زالت في بدايتها، وأن الطريق نحو الاستقرار والازدهار يمر حتماً عبر إقامة العدل وفرض الشفافية والتحقيق الجاد في كل ما يطرحه الناشطون والمواطنون.



