أخبار العالماقتصادليبيا

ليبيا بين مأزق الريع ورهانات السوق الموازي: دعوات لاجتثاث “اقتصاد الاعتماد” وسط عواصف جيوسياسية

ليبيا 24

تحذيرات جديدة من ارتدادات إقليمية تدفع الدينار نحو الهاوية الاقتصادية


متوالية هشة.. من مضيق هرمز إلى شارع الدينار

في الوقت الذي تنشغل فيه العواصم الكبرى بإعادة رسم خرائط الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية إثر التوترات التي عصفت بمنطقة الخليج، تتكشف في المشهد الليبي المحلي هشاشةٌ اقتصاديةٌ مركبة لا تقل خطورة عن أي انفجار جيوسياسي. فبينما تتراقص أسعار النفط الخام بين صعود يُحيي الآمال وهبوط يُنذر بالعجز، يبقى الدينار الليبي أسير معادلةٍ قاسية عنوانها الغياب شبه الكامل للإنتاج المحلي البديل وسيطرة ذهنية “الاعتماد” التي حوّلت البلاد إلى سوق استهلاكية ضخمة لا منتج فيها.

في خضم هذا الفراغ التحليلي العملياتي، تبرز قراءات الباحثة والأكاديمية المتخصصة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، التي لم تكتفِ بتشخيص العلة النقدية من منظور سعر الصرف فحسب، بل سبرت أغوار الأزمة من منطلقها الهيكلي المتعلق بسلوك المستهلك الليبي وثقافة الاستيراد العشوائي. تحليلاتها، التي جاءت متتابعة ومترابطة رغم تفرق توقيت نشرها، لم تكن مجرد تعليق على حدث آني، بل أقرب إلى رؤية استشرافية تدمج بين صدمات العرض الجيوسياسية وضرورات الطلب المحلي، لتضع أصبعها على الجرح الأعمق في الاقتصاد الليبي: غياب البديل المحلي الصناعي والزراعي.

انزياح المضيق وهزة “برميل الحرب”: كيف تنتقل العدوى إلى جيوب الليبيين؟

المعادلة التي طرحتها الدكتورة ريم البركي في تحليلها لتأثير فتح أو غلق مضيق هرمز كانت شديدة الوضوح في بساطتها وعمق أثرها على آنٍ معاً. فقد ربطت، وبحق، بين انخفاض أسعار النفط الخام عالمياً إلى ما دون 85 دولاراً للبرميل بعد أن كان قد لامس 104 دولارات، وبين الارتفاع المرتقب والحتمي للدولار في السوق الموازي الليبي. هذا الربط يتجاوز التفسير المالي البسيط القائم على “شح العملة الصعبة”، ليشير إلى هشاشة منظومة الحوكمة الاقتصادية في البلاد.

ريم البركي: سياسات المركزي عبثية تسلّم الليبيين للسوق السوداء
ريم البركي: سياسات المركزي عبثية تسلّم الليبيين للسوق السوداء

فالمؤسسة النقدية، التي تدير الاحتياطيات بعقلية “ناجي” القلقة من تقلبات العوائد النفطية، تجد نفسها في وضع حرج بمجرد أن تخفت ضوضاء الحرب في الخليج. التحذير من أن تمرير الدولار الجمركي تم في “غفلة انخفاض مؤقت” لسعر الصرف يكشف عن استراتيجية البعض في تحميل الموازنة العامة ومستقبل الأجيال أعباءً إضافية، بينما يبقى المواطن البسيط الذي يقتات على راتب بالدينار فريسة لتضخم مستورد قد تصل فيه “فرشاة الأسنان” إلى مئة دينار. هذه الصورة، وإن بدت ساخرة، إلا أنها تشريح دقيق لكيفية تحول قرارات مالية كبرى تُتخذ في غرف مغلقة إلى كوابيس معيشية في منازل الليبيين العاديين.

“سر” الثراء الوهمي: تشريح ظاهرة الاعتماد وأزمة الذهنية الاستهلاكية

في معرض حديثها عن “السر الكبير”، لم تقدم الدكتورة البركي وصفة سحرية بقدر ما قدمت نقداً لاذعاً للمسلمات الاقتصادية الخاطئة. العبارة المحورية “لو ضخيت دولار الاحتياطي كله في أسبوع دينارك مش هيتعدل” هي ضربة قاصمة لوهم “تدخل المركزي” كحل سحري لأزمة هيكلية. فما دامت القاعدة الإنتاجية غائبة، وما دامت الأسواق المحلية تغص بسلع وصفها التحليل بـ”زبالة أوروبا والصين والوطن العربي”، فإن أي ضخ للدولار هو مجرد مسكن أفيوني ينتهي مفعوله لتعود الحمى أشد مما كانت. تلمع البركي هنا في إبراز التناقض الصارخ بين منطق “الثراء السريع” الذي يوفره فتح الاعتمادات المستندية، وبين منطق التنمية المستدامة القائم على دعم المزارع ومعصرة الزيت والمطحنة ومصنع المكرونة.

إن وصفها للحالة بـ”الاستسهال” يلامس الصميم؛ فاقتصاد الريع النفطي في ليبيا لم يُنتج طبقة رأسمالية صناعية منتجة بقدر ما أنتج طبقة من الوسطاء والتجار الذين يجنون أرباحاً خيالية من مجرد تمرير البضائع عبر المنافذ. السؤال الذي يطرحه تحليلها بقوة: كيف يمكن لاقتصاد أن ينتصب على قدميه إذا كان قوامه أموالاً تُدفع لاستيراد “شيشية الزيت” بدل إنتاجها في الداخل؟

مطرقة الذهب وسندان النفط: استراتيجيات تحوط الفرد في زمن اللاإستقرار

على الجانب الآخر من المعادلة، وفي توقيت حرج مع بداية التوترات في مضيق هرمز، أظهرت الباحثة رؤية استباقية لافتة فيما يتعلق بأسواق المعادن الثمينة.

إشارتها إلى أن الفضة قفزت آلاف الدولارات وأن الذهب واصل ارتفاعه، ليست مجرد نصيحة استثمارية عابرة، بل هي تحليل لأثر “الملاذ الآمن” في لحظة الخطر الجيوسياسي. في هذا السياق، يبدو التباين واضحاً بين من يملك رأس مال يزيد عن مليون دولار، كما أشارت التحليلات، ويستطيع المناورة والتحوط في أسواق الذهب والفضة، وبين “الغُلابى” الذين لا تتجاوز مدخراتهم بضعة آلاف من الدولارات يضعونها في جيوبهم وليس في محافظ استثمارية. التحذير “معش تسمعوا اللي يقوللكم بيعوا” هو دعوة صريحة للوعي الطبقي داخل السوق الليبي؛ فالنصائح المالية ليست حيادية أبداً، ومن يملك عمولات يومية “خفيفة” تبلغ ثلاثين ألف دينار لا يشبه في شيء من يكدس بضع مئات من الدولارات لمواجهة مصاريف عام دراسي أو علاج. هذه الثنائية الجديدة في التحليل الليبي، التي تفرق بين “تاجر المليون” و”صاحب الألف دولار”، تمنح الخطاب الاقتصادي بعداً واقعياً يخلو من التنظير الأكاديمي الجاف.

خارطة طريق نحو الاكتفاء: من معصرة الزيتون إلى تعقيدات القروض الزراعية

أما الشق الأكثر دبلوماسية وعمقاً في رؤية البركي، فهو ذلك المتمثل في طرح الحلول البديلة وإن بدت مُجملة. فعندما تحث على دعم المطاحن ومصانع المكرونة والأعلاف، وعندما تعلن صراحة عن تفضيلها لشراء العسل المحلي وزيت المعصرة حتى لو كان بذات سعر المستورد، فهي تطرح نموذجاً سلوكياً بديلاً للمواطن الليبي. هذا النموذج لا يقوم على المقاطعة الشعبوية العاطفية، بل على مبدأ “خلق البديل المناسب” الذي يعتبر أساس أي سياسة حمائية ناجحة.

إن إشارتها إلى ضرورة توفير “قروض بضمانات” وإجراءات “تسهيل التصدير” ترفع الطرح من مجرد شعار “اشترِ المنتج الليبي” إلى مستوى السياسات العامة المطلوبة. غير أن التحليل يظل حذِراً، فهو لا يغفل عن حقيقة أن العملية الإنتاجية في ليبيا محفوفة بمخاطر هائلة لا تقتصر على ضعف البنية التحتية، بل تمتد لتشمل ما أسمته “الانتهازين” و”التماسيح” الذين قد يحولون أي دعم حكومي للمزارعين إلى صفقة رابحة لهم وحدهم. المطالبة بمحاسبة صارمة واسترجاع للأموال المنفقة مع قياس دقيق للإنتاج (“أنتجت واحد اثنين ثلاثة”) تعكس وعياً كاملاً بأن الحل لا يكمن فقط في رمي الأموال على المشكلة، بل في هندسة مؤسسية صارمة تكافئ المزارع المنتج وتعاقب المستورد العبثي.

ما بعد النفط.. أو معه على الأقل: نحو إعادة تعريف الأمن الاقتصادي القومي

ما تطرحه تحليلات الدكتورة ريم البركي في نهاية المطاف هو سؤال جوهري حول مفهوم “الأمن القومي” الليبي. ففي ظل انكشاف البلد على أزمات الشرق الأوسط، وفي ظل عدم وجود إصلاح سياسي حقيقي، يصبح الأمن الغذائي والإنتاجي هو خط الدفاع الأخير عن الليرة والدينار. التحذير من أن “ناجي” يعتمد فقط على العوائد النفطية هو تحذير من استمرار لعبة الروليت الروسية التي تلعبها الحكومات المتعاقبة باقتصاد البلاد. فكلما هدأت الأوضاع في مضيق هرمز أو في حقول النفط العالمية، تراجعت الإيرادات وعاد شبح العجز ليدفع بالدينار إلى الحضيض. الحل الوحيد لكسر هذه الحلقة المفرغة، كما يستشف من القراءة التحليلية للبركي، هو الاستثمار الجريء والشفاف في “الطماطم وزيت الزيتون” وكل الصناعات التحويلية المرتبطة بهما.

هذا الطرح لا يعني إهمال النفط كمورد استراتيجي، بل يعني استخدام عوائده لتأسيس قاعدة إنتاجية متنوعة تحمي المواطن من صدمات الأسعار العالمية و”تقلبات مزاج التجار الكبار”. إنه مزيج معقد من الدبلوماسية الاقتصادية الناعمة القائمة على دعم الفلاح والمنتج، والقسوة الضرورية في مواجهة المحتكرين والمضاربين.

خلاصة: في الحاجة إلى “اقتصاديات الأزمة” بدل “اقتصاديات الصدفة”

في الختام، يمكن القول إن ما ورد من تحليلات متفرقة للباحثة ريم البركي يشكل في مجموعه مادة دسمة لخارطة طريق اقتصادية بديلة. هي ليست مجرد سخرية من ارتفاع الدولار ديناراً كاملاً في ربع نهار، بقدر ما هي دعوة لمراجعة مريرة لمسلمات ما بعد 2011. لقد نجحت هذه القراءة، في ربط الداخل بالإقليم، في رسم صورة قاتمة لكنها غير ميؤوس منها.

إنها تذكير بأن معركة سعر الصرف لا تُربح في أروقة مصرف ليبيا المركزي وحدها، ولا في أزقة تجار العملة، بل تُربح أولاً في حقل طماطم بمشروع وطني، وفي معصرة زيتون حديثة، وفي مزرعة أعلاف متكاملة. وحتى ذلك الحين، وحتى يُوجد البديل الحقيقي، سيبقى المواطن الليبي، كما وصفته التحليلات ببلاغة، في موقف من “يُرقى ديناراً” كلما عبثت الرياح الجيوسياسية بأسعار النفط أو بقرارات المركزي.

وكل ما لم يُؤخذ بالحكمة والجدية المطلوبة من هذه النبوءات التحليلية، سيتحول إلى حقيقة مريرة يعيشها الجميع يومياً في طوابير الخبز ومضاربات السوق السوداء.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى