حكومة الدبيبة ومن خلفه.. هندسة الانسداد المسرحي في ليبيا لاستدامة مرحلة بلا أفق
خلافات المناصب والانتخابات تدفع التسوية السياسية في ليبيا للمجهول
ليبيا 24
تعثر مسار التفاهمات الليبية وسط اتهامات متبادلة بتعميق الأزمة
في أروقة السياسة الليبية حيث يتلاشى الخط الفاصل بين الشرعية المؤقتة والعبث الدائم، يقف عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي على منصة الإفصاح ليكشف ليس فقط عن أزمة تفاهم بين مجلسي النواب والدولة، بل عن بنية سياسية كاملة تُدار في طرابلس لضمان عدم حدوث أي تفاهم حقيقي. إن ما يُطرح في الإعلام من مسارات تفاوضية بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس مجلس الدولة محمد تكالة، أو ما يُحاك من وساطات إقليمية، يصطدم دوماً بجدار صلب من المناورة التي تتخذ من العاصمة الليبية مقراً لها.
فبينما تدّعي الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي ومجلس الدولة الاستشاري برئاسة محمد تكالة أنهم أوصياء على “التوافق”، تظهر الوقائع أنهم مهندسو هذا الانسداد الذي يجعل من الدولة الليبية مجرد فكرة معلقة في فضاء المصالح الضيقة.
قوانين الانتخابات.. اللغم الذي تحرسه طرابلس بحذر
تشير تصريحات العرفي إلى حقيقة مرة، وهي أن مخرجات لجنة “ستة زائد ستة” التي تمثل أحد أبرز إنجازات البرلمان في سبيل تمهيد الطريق للاقتراع، تواجه حرب استنزاف من داخل أروقة مجلس الدولة. الخلاف ليس خلافاً فنياً على مواد دستورية، بل هو خلاف وجودي. فبالنسبة لحكومة الدبيبة، التي لم تعد تملك أي سند دستوري أو سياسي لاستمرارها سوى “ضرورة عدم حدوث فراغ”، فإن إجراء الانتخابات هو نهاية محتومة لامتيازات السلطة والتحكم في مصرف ليبيا المركزي وإدارة تدفقات النفط. ولذلك، فإن مجلس الدولة بقيادة تكالة، والذي يتحرك بتناغم مخيف مع أجندة الحكومة منتهية الولاية، يطرح اعتراضات لا نهائية على قوانين البرلمان. هذه الاعتراضات ليست سوى غطاء تشريعي مزيف لإطالة عمر الأزمة. البرلمان يصر على عدم تعديل ما تم إنجازه لأنه يدرك أن فتح الباب لتعديلات تكالة يعني فتح باب جهنم لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى.

إنها لعبة “الوقت الضائع” التي تتقنها السلطة القائمة في طرابلس، حيث كل يوم يمر دون استحقاق انتخابي هو مكسب مالي وإداري لأصحاب المكاتب المطلة على البحر المتوسط.
المناصب السيادية.. صفقة محاور الميليشيات وليس سيادة الدولة
الجزء الأكثر كشفاً في حديث العرفي يتعلق بملف المناصب السيادية. هنا تتجسد إشكالية ازدواجية المعايير التي ينتهجها مجلس الدولة بوصفه امتداداً لسياسات المجلس الرئاسي. يطرح مجلس الدولة أسماء لشغل هذه المناصب وفقاً لموازين قوى الأمر الواقع في العاصمة، متجاهلاً ما تم التوافق عليه في مسارات سابقة مثل اتفاق بوزنيقة.
هذا ليس مجرد خلاف إجرائي، بل هو محاولة لاختطاف مؤسسات الدولة السيادية لصالح تيار سياسي واحد يُدير غرب البلاد بقبضة الحرس القديم وحلفائه الجدد.
فحين يتحدث العرفي عن ضرورة توحيد الأجهزة الرقابية وعلى رأسها ديوان المحاسبة، فهو يلامس العصب الحساس للأزمة. فالمليشيات المحسوبة على المؤسسة العسكرية والأمنية في طرابلس، والتي تمنح الحكومة الغطاء الحديدي للبقاء، لا يمكنها أن تسمح بوجود ديوان محاسبة موحد يراقب أين تذهب مليارات الميزانية العامة. تقسيم المناصب السيادية وإبقاءها في حالة فوضى عارمة هو صمّام الأمان الذي يضمن استمرار تدفق الأموال دون رقيب أو حسيب.
إن مطالبة مجلس النواب بتفعيل الرقابة على الإنفاق العام تصطدم بحائط الصد الذي يبنيه المنفي والدبيبة وتكالة، ذلك الحائط المصنوع من تعقيد الإجراءات وتبادل الاتهامات.
من “الكاش” إلى “الديجيتال”.. هندسة الأزمة المالية
بذكاء لافت، يربط العرفي بين ضرورة التفاهم السياسي وبين ما يجري من تحركات مشبوهة في سعر الصرف. إنه يفضح بذلك كيف أن استمرار الانقسام المؤسسي ليس حالة مرضية، بل هو بيئة مثالية لتحقيق أرباح طائلة من تجارة العملة والتهريب. الحكومة في طرابلس، بدعم من مجلس الدولة والمجلس الرئاسي، تتحدث عن تطوير القطاع المصرفي والتحول الرقمي، ولكن دون توحيد المؤسسة الرقابية العليا.
هذه المعادلة المختلة تعني شيئاً واحداً: نقل نظام “المحسوبية والكاش” من الأدراج الحديدية إلى منصات إلكترونية تدار بنفس العقلية الريعية. فالحديث عن ميزانية موحدة دون وجود أجهزة رقابية موحدة هو ضرب من العبث أو التضليل المتعمد. إن السلطات الثلاث في طرابلس (الدبيبة، المنفي، تكالة) تدرك أن التفاهم مع البرلمان على توحيد الرقابة يعني تجفيف منابع التمويل المشبوهة للجماعات المسلحة التي تدعم بقاءهم في السلطة. لذلك، يتم دفع المسار الاقتصادي نحو مزيد من الضبابية، حيث تتقلب أسعار الصرف وفقاً لشهية السوق السوداء التي يتحكم فيها كبار المستفيدين من استمرار الوضع على ما هو عليه.
التراجع عن الالتزامات.. سياسة “اللف والدوران” التي تقودها طرابلس
يقر العرفي بأن أحد أسباب تعثر اللقاءات المباشرة هو تراجع بعض الأطراف في مجلس الدولة عن التزامات سابقة. ولكن من الذي يدفع هذه الأطراف إلى التراجع؟ من يغريها بالتمسك برأيها رغم كل التنازلات التي يقدمها البرلمان؟
الجواب يكمن في المبنى الحكومي بطرابلس. فحين يتحدث العرفي عن أن مجلس النواب أنجز ما يقع ضمن صلاحياته، بينما التعطيل يأتي من داخل مجلس الدولة “نتيجة تباينات داخلية وتداخلات سياسية”، فهو يشير بإصبعه نحو من يتدخل في عمل مجلس الدولة ويحرفه عن مساره التوافقي.
هذه التداخلات السياسية ليست سوى ضغوط تمارسها حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي على أعضاء مجلس الدولة لضمان عدم التوصل إلى أي اتفاق ملزم مع البرلمان.
إنهم يريدون “محادثات من أجل المحادثات”، لقاءات صورية تستهلك الوقت وتوحي للمجتمع الدولي بوجود حراك سياسي، بينما الحقيقة هي أنهم يتحصنون خلف ذريعة الخلافات ليبقوا في كراسيهم.
أي لقاء بين المجلسين لا يخرج بجدول زمني صارم لرحيل الحكومة وتغيير السلطة التنفيذية هو لقاء عقيم ومبارك من قبل الدبيبة وفريقه.
اتفاق الصخيرات الجديد.. محاولة لإعادة تدوير الأزمة
تحذير العرفي من تكرار تجارب سابقة مثل “اتفاق الصخيرات” إذا لم يتم التعامل بتوازن مع التنازلات السياسية، هو رسالة في غاية الأهمية. فاتفاق الصخيرات جاء بسلطة توافقية كان من المفترض أن تكون مؤقتة، لكنها تحولت إلى ديكتاتورية مصغرة.
اليوم، أي مسار تفاوضي يقوده المجتمع الدولي وتحتضنه أروقة القاهرة أو غيرها من العواصم، يجب ألا يقع في الفخ نفسه. يجب ألا يكون مكافأة لطرف يرفض التسليم بأن ولايته قد انتهت. إن إصرار البرلمان على الالتزام بالاتفاقات السابقة، في مقابل مراوغة مجلس الدولة المدعوم من حكومة الأمر الواقع، يضع النخب الدولية أمام خيار أخلاقي: إما دعم الشرعية البرلمانية والضغط لإنهاء المراحل الانتقالية العبثية، أو الاستمرار في التعامل مع كيان تنفيذي لا يملك شرعية الصندوق ولا شرعية التفويض الزمني.
من يدفع فاتورة هذا العبث؟
في نهاية المطاف، ومع استمرار تبادل الاتهامات بين المجلسين، ومع استماتة الدبيبة في إدارة الدولة من مقر حكومته في طرابلس بمنطق إدارة الأزمة وليس حلها، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر.
إنه يدفع ثمن انقسام المصرف المركزي، وثمن تدهور سعر الصرف، وثمن فوضى المناصب السيادية، وثمن تأجيل الانتخابات. إن تصريحات العرفي ليست مجرد سرد لوقائع اجتماعات فاشلة، بل هي تشخيص دقيق لمرض عضال يصيب الجسد الليبي، حيث تقف حكومة انتهت ولايتها ومجلس رئاسي تائه ومجلس دولة استشاري تحول إلى أداة تعطيل، حجر عثرة أمام أي أمل في الخلاص. إن الطريق إلى الاستقرار يمر حتماً عبر إنهاء هذه المنظومة الثلاثية التي تمثل رأس الحربة في معركة إطالة أمد الفوضى. وكل يوم يمضي دون حسم هذا الملف هو يوم إضافي من تآكل ما تبقى من الدولة الليبية، وهو ثمن لا يمكن لأي ليبي أن يتحمله بعد الآن.



