الشحومي: بيان المركزي الليبي يزيد الغموض ويغيب الشفافية
خبير اقتصادي يحذّر: تحوّل مصرف ليبيا المركزي إلى ناشر بيانات بعيداً عن دوره الأساسي
ليبيا 24:
بيان المركزي الشهري تحت المجهر: خبير اقتصادي ينتقد غياب الشفافية ويعتبره مُربكاً
تحليل متعمق يكشف تناقضات التقرير المالي ويطالب بتناغم مؤسسي
في تحليل نقدي حاد، وصف الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي البيان الشهري الصادر عن مصرف ليبيا المركزي بأنه “يزيد من حالة الغموض والإرباك”، مشيراً إلى أنه على الرغم من كونه الوثيقة الدورية الوحيدة التي تُطلع الرأي العام على حركة الإنفاق والإيرادات الحكومية واستخدامات النقد الأجنبي، إلا أنه يأخذ القارئ في “منعطفات جانبية” بعيداً عن الدور الأساسي المنوط بالمصرف.
دور منقوص وتحديات متعاظمة
وأكد الشحومي في قراءته التحليلية أن الدور الأساسي للمصرف المركزي، بحكم عمله وقانونه، يتمثل في التعبير عن الوضع الاقتصادي بأبعاده المختلفة وقياس حالة الاستقرار الاقتصادي، وضمان استدامة هذا الاستقرار عبر استخدام أدوات السياسة النقدية.
ويتحقق ذلك عبر مؤشرات رئيسية مثل حركة الأموال، وعرض النقود، ونشاط سوق النقد بين المصارف، ومعدلات الفائدة وتقلباتها إلا أن الواقع – بحسب الخبير الاقتصادي – يُظهر تحول المصرف إلى “ناشر لبيانات الإنفاق والإيراد”، يتصرف في عرض البيانات “كما يشاء”، في وقت تتعاظم فيه التحديات التي تواجهه يوماً بعد يوم.
غموض إيرادات النفط.. أسئلة بلا إجابات
وتوقف التحليل عند نقطة بالغة الحساسية في التقرير الأخير، وهي الإشارة إلى نقص الإيرادات الموردة من عائدات مبيعات النفط خلال الأشهر الأخيرة.
واعتبر الشحومي أن هذه الإشارة تترك القارئ في “حيرة وتوجس كبيرين”، مطرحاً سلسلة من التساؤلات المشروعة: هل يعود هذا النقص إلى حجب إيرادات لم تورد إلى المصرف المركزي؟ ومن المستفيد من ذلك؟ ولماذا لا يتم توضيح هذا اللبس وإجراء عملية مطابقة مع المؤسسة الوطنية للنفط؟
ولفت إلى أن توقف المؤسسة الوطنية للنفط عن نشر بيانات كميات الصادرات وقيمتها قد “عمّق حالة الغموض” وبينما يبدو تراجع الأسعار العالمية للنفط هو “الاحتمال الأقرب” للتفسير، إلا أن كلا الاحتمالين – بحسب التحليل – يفرضان على المصرف المركزي تقديم “مبررات واضحة” وشفافة للرأي العام.
فجوة في التناغم المؤسسي
وشدد الخبير الاقتصادي على أن عرض التقارير ذات الطابع الاقتصادي الوطني “يحتاج إلى حالة من التناغم والتطابق” بين المؤسسات المعنية، سواء المؤسسة الوطنية للنفط، أو وزارة المالية، أو ديوان المحاسبة، أو المصرف المركزي نفسه، من حيث طريقة العرض والتوقيت.
ويُفترض أن يعمل هذا التناغم على تقديم صورة متماسكة وواضحة عن الوضع المالي للدولة، وهو ما يبدو غائباً في المشهد الحالي.
احتياطيات مُعلَّقة بأسعار الذهب
وانتقل التحليل إلى مسألة أخرى شائكة، وهي انخفاض الاحتياطيات المُستخدمة لتغطية الفجوة بين الإيرادات والطلب على العملة الأجنبية. وأشار التقرير إلى أن القيمة الإجمالية للاحتياطيات قد زادت بسبب ارتفاع أسعار الذهب العالمية.
إلا أن الشحومي رأى أن هذا الأمر “لا ينسجم مع أساسيات الحيطة والحذر” في إدارة الاحتياطيات، خاصة في ظل تقلبات الأسعار العالمية.
وكشف التحليل عن “تحوّل ملحوظ” في طريقة حساب المصرف لاحتياطياته، بعد أن ظل لعقود “لا يعيد تقييم أرصدة الذهب والاستثمارات بحسب القيمة السوقية”.
وطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا لم يُفصح المصرف عن أسباب هذا التغيير في منهجية التقييم؟ وهل يسعى من وراء ذلك إلى “تضخيم قيمة الاحتياطيات” لإرسال رسالة طمأنة حول استدامتها، مستفيداً من موجة ارتفاع أسعار الذهب العالمية؟
أزمات مُهمَلة وسيولة مشدودة
وفي جانب آخر، لاحظ التحليل أن التقرير الشهري “لا يتعاطى” مع الواقع الصعب الذي تعيشه البلاد، والمتمثل في أزمة السيولة والطلب الكبير على النقد الأجنبي وهي أزمة وجد المصرف المركزي نفسه في قلبها بسبب “تعطل قدرته على إدارة السياسة النقدية بسلاسة ومهنية”.
فائض مُبهم وتمويل منفرد للدين
وأخيراً، توقف الشحومي عند إشارة التقرير إلى تحقيق فائض في الموازنة، معتبراً إياها “إشارة مبهمة”، لأنها لا تشمل إلا إنفاق حكومة واحدة من الحكومتين القائمتين، دون توضيح مقدار تمويل الحكومة الأخرى بشكل شهري، مما يحول دون وضوح الصورة الكلية.
وخلص إلى أن المصرف يكتفي بين الحين والآخر “بالإشارة إلى تزايد الدين العام الذي يقوم هو نفسه بتمويله منفرداً”.
ظروف قاسية لا تُغني عن الحقائق
واختتم الخبير الاقتصادي تحليله بالتأكيد على أن مصرف ليبيا المركزي يعمل دون شك في “ظروف قاسية ومرتبكة”، إلا أن هذا الظرف الصعب “لا يُغني عن تقديم الحقائق كاملة وفي الوقت المناسب” للمواطن والمتابع الاقتصادي على حد سواء، داعياً إلى شفافية أعلى ودقة أكبر في البيانات المقدمة، بما يخدم استقرار الثقة في الاقتصاد الوطني.



