اقتصاد

صندوق النقد الدولي يحذر ليبيا: السياسات المالية الحالية “غير مستدامة” ويحدد خارطة إنقاذ

أمام نافذة ضيقة.. صندوق النقد يطالب ليبيا بإصلاحات مالية جذرية لتفادي الانهيار

ليبيا 24:

صندوق النقد الدولي يوجه نداءً عاجلاً لليبيا: إصلاح المالية العامة أو مواجهة مخاطر غير مسبوقة

تحذيرات صارخة في ظل عجز مستمر واعتماد شبه كلي على إيرادات النفط المتقلبة

طرحت بعثة صندوق النقد الدولي، في ختام أحدث جولة مشاورات، صورة قاتمة للوضع الاقتصادي في ليبيا، محذرة من أن المسار المالي الحالي “بات غير مستدام”.

وجاءت هذه التقييمات ضمن حوار موسع مع السلطات الليبية، هو الأول من نوعه منذ أكثر من عقد، في ظل مؤشرات مقلقة تشمل استمرار العجز المالي الكبير للعام الثالث على التوالي، وتراكم الضغوط على سعر صرف العملة المحلية، واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية بشكل ملحوظ.

وأكد التقرير أن الإجراءات والسياسات القصيرة الأجل المعتمدة حتى الآن، لم تتمكن من معالجة الاختلالات الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، مما يستدعي تدخلاً استراتيجياً عاجلاً وشاملاً.

هشاشة هيكلية: اقتصاد مرهون بتقلبات سوق النفط العالمي

يكشف تحليل الصندوق عن نقطة ضعف جوهرية في البنية الاقتصادية الليبية، تتمثل في الاعتماد شبه الكامل على قطاع النفط، الذي يشكل ما يقارب سبعة وتسعين في المائة من إجمالي الإيرادات العامة.

هذه التركيبة الأحادية تجعل المالية العامة للدولة عرضة بشكل كبير لأي صدمات خارجية، سواء انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية أو انقطاعات الإنتاج المحلي بسبب الظروف الأمنية أو المشكلات المؤسسية.

ولم يقتصر التحذير على المخاطر التقليدية، بل امتد ليشمل التهديدات المستقبلية المتوسطة والطويلة الأجل، وفي مقدمتها التحول العالمي المتسارع نحو مصادر الطاقة النظيفة، والذي قد يؤدي إلى انخفاض هيكلي في الطلب على النفط الخام، وهو ما يعني تهديداً وجودياً للدخل القومي الليبي في حال عدم الاستعداد له.

أرقام صادمة: عجز مالي خيالي وارتفاع مهول للدين العام

وضع تقرير الصندوق أرقاماً دقيقة على طاولة المسؤولين الليبيين، كشف من خلالها عن حجم التحدي. فالعجز المالي للدولة من المتوقع أن يصل إلى نسبة مذهلة تقدر بثمانية وعشرين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي.

وفي الوقت نفسه، شهد الدين العام ارتفاعاً غير مسبوق خلال السنوات الثلاث الماضية، مدفوعاً بتمويل هذا العجز الضخم.

ويستنزف جانب الإنفاق العام موارد الدولة، حيث تلتهم فاتورة الرواتب والدعم الجزء الأكبر من الإيرادات النفطية، في غياب كفاءة لضبط هذا الإنفاق أو تحويله نحو قطاعات منتجة.

وأشار الصندوق إلى أن ليبيا تدخل مرحلة “طوارئ متعددة الجبهات”، تشمل آثار الكوارث الطبيعية الكبرى كتلك التي ضربت مدينة درنة، وأعباء إعادة الإعمار، ومشكلات عميقة في الشركات المملوكة للدولة والجهاز المصرفي الذي يحتاج إلى إصلاح شامل.

خارطة الطريق: ثماني خطوات أساسية لبناء نظام مالي متين

رداً على هذا السيناريو المتشائم، لم يكتفِ صندوق النقد الدولي بتشخيص العلل، بل قدّم خارطة طريق مفصلة مكونة من ثماني خطوات رئيسية، وصفها بأنها الأساس لبناء استراتيجية مالية مستدامة.

وتركز هذه الخطوات على التخطيط طويل المدى وضمان العدالة بين الأجيال في استهلاك الثروة الناضبة.

ومن أبرز هذه التوصيات: الدعوة إلى تقدير دقيق لثروة ليبيا من الموارد النفطية المتبقية، ووضع أهداف استهلاكية طويلة الأجل تحفظ حقوق الأجيال القادمة، ووضع مسار زمني واضح للتحول التدريجي نحو ميزانية عامة منضبطة، وتحديد حجم احتياطي احترازي من الأصول المالية يحمي الموازنة من التقلبات المفاجئة.

كما اقترح الصندوق مجموعة من الأدوات التشغيلية الداعمة، مثل فرض سقف أعلى للإنفاق العام، ووضع حدود دنيا للدين المسموح به، واعتماد قاعدة للإيرادات تعتمد على متوسط أسعار النفط خلال فترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، لتسهيل التخطيط وتجنب المبالغة في التقديرات.

متطلبات النجاح: مؤسسات موحدة وشفافية وإرادة سياسية حاسمة

أجاب التقرير بوضوح عن سؤال محوري: ماذا تحتاج ليبيا بالضبط لبناء نظام مالي موثوق؟ وحدد الإجابة في جملة من المتطلبات المؤسسية والقانونية التي لا غنى عنها في مقدمتها، إقرار موازنة عامة موحدة تشمل جميع الإيرادات والنفقات بغض النظر عن الجهة التي تديرها، واعتماد أهداف مالية واضحة وملزمة ومعلنة للرأي العام.

وشدد على ضرورة إنشاء هيئة رقابية مستقلة للشؤون المالية، لتعزيز مبادئ المحاسبة والمساءلة، إلى جانب رفع مستوى الشفافية عبر النشر الدوري للبيانات المالية وفق المعايير الدولية المعترف بها. وطالب بوضع آليات قانونية تلقائية تُفعّل إجراءات التصحيح فور انحراف السياسات المالية عن المسار المخطط له.

أربع جبهات للإصلاح: الدعم والأجور والاستثمار والإيرادات البديلة

حصر التقرير الجهد الإصلاحي العاجل في أربع جبهات متوازية يجب العمل عليها في وقت واحد. الأولى، إصلاح نظام الدعم الحكومي ليصبح أكثر كفاءة وعدالة ويستهدف الفئات الأكثر احتياجاً.

 الثانية، ضبط فاتورة الأجور الهائلة عبر إنشاء منصات توظيف ودفع رواتب موحدة وشفافة.

أما الجبهة الثالثة فتتمثل في تحديث إدارة الاستثمارات العامة، بدءاً من عملية اختيار المشاريع ذات الأولوية وانتهاءً بمتابعة تنفيذها بكفاءة.

 بينما تمثل الجبهة الرابعة والأهم على المدى البعيد، تنمية وتنويع مصادر الإيرادات غير النفطية، مثل الضرائب والرسوم والقطاعات الإنتاجية والخدمية، لتعزيز مرونة الاقتصاد وضمان استدامته.

نافذة فرص قد لا تتكرر: موارد وفيرة وإمكانات كبيرة رهن إرادة التغيير

على الرغم من قسوة التحذيرات، ترك صندوق النقد الدولي باب الأمل مفتوحاً. وأشار إلى أن ليبيا ما تزال تمتلك “نافذة فرص مهمة”، وإن كانت ضيقة، لتثبيت أسس الاستقرار المالي.

وتعزز هذه الفرصة بوجود موارد طبيعية وفيرة، واحتياطيات أجنبية ما تزال عند مستويات يمكن وصفها بالمريحة نسبياً مقارنة بتحديات العجز.

والأهم من ذلك، إمكانية بناء نظام مالي وإداري جديد من الصفر، يكون أكثر صلابة وشفافية ومساءلة من النظام السابق ولكن التقرير خلص إلى تحذير حاسم: انغلاق هذه النافذة سريعاً مرتبط بشكل وثيق بمدى توفر الإرادة السياسية الحقيقية لإجراء الإصلاحات، وبناء المؤسسات القادرة على تنفيذها، وبدء مسار الإصلاح الفعلي “اليوم قبل الغد”، لأن التأخير لن يؤدي سوى إلى تفاقم التكاليف وتعقيد الحلول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى