ليبيا

الذكرى الرابعة والسبعون لاستقلال ليبيا… ملحمة نضال وبداية دولة

جاءت الذكرى الرابعة والسبعون لاستقلال ليبيا، مستحضرةً واحدة من أكثر اللحظات رسوخًا في الذاكرة الوطنية، حين أعلن الملك إدريس السنوسي، صباح الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1951، من شرفة قصر المنار بمدينة بنغازي، ميلاد الدولة الليبية المستقلة، إيذانًا بانتهاء عقود طويلة من الاحتلال والمعاناة، وبداية عهد جديد من السيادة والوحدة.

صفحة جديدة في تاريخ ليبيا

في ذلك الصباح الشتوي، ازدحمت ساحة القصر بليبيين أنهكهم طول الانتظار، وعلّقوا آمالهم على لحظة تاريخية طال ترقّبها. لم يكن إعلان الاستقلال مجرد بيان سياسي عابر، بل محطة فاصلة أنهت حقبة استعمارية قاسية، وفتحت صفحة جديدة في تاريخ ليبيا كدولة مستقلة ذات سيادة، لها كيانها ومكانتها على خريطة العالم.

مسيرة نضال طويلة

وجاء الاستقلال تتويجًا لمسيرة نضال طويلة، دفع الليبيون ثمنها دمًا وتشريدًا وصبرًا عبر أجيال متعاقبة، في مواجهة الاحتلال الإيطالي الذي بدأ في الخامس من أكتوبر عام 1911. وحملت راية الجهاد في بداياتها القيادة السنوسية، يتقدمها القائد أحمد الشريف السنوسي، ثم تسلّمها شيخ الشهداء عمر المختار، إلى جانب نخبة من القادة الوطنيين، من بينهم سليمان الباروني، وأحمد المريض، وعبد النبي بالخير، ورمضان السويحلي، وأحمد سيف النصر، وغيرهم من رموز المقاومة الذين واجهوا آلة الاستعمار بإصرار وتضحية.

ولم يقتصر النضال الليبي على الكفاح المسلح، بل امتد إلى العمل السياسي والفكري، من خلال سلسلة من المؤتمرات الوطنية التي سعت إلى ترسيخ الوحدة وتحديد الموقف الوطني، وكان من أبرزها مؤتمر العزيزية عام 1912، ومؤتمر مسلاتة الأول عام 1918، ومؤتمر غريان عام 1920، ومؤتمر سرت عام 1922، إضافة إلى مؤتمر فيكتوريا بالإسكندرية عام 1939، واجتماع القاهرة عام 1940، ثم مؤتمر مسلاتة الثاني عام 1949، ومؤتمر تاجوراء عام 1950.

استشهاد الشيخ عمر المختار

وشكّل استشهاد الشيخ عمر المختار عام 1931 منعطفًا مؤلمًا في مسيرة المقاومة، حيث تفرّق المجاهدون تحت وطأة القمع، ما دفع الأمير إدريس السنوسي والزعامات الليبية في المهجر إلى تكثيف النشاط السياسي، خاصة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. وفي تلك المرحلة، تحالف الليبيون مع قوات الحلفاء، وساهموا بفاعلية في معارك شمال أفريقيا، التي انتهت بانتصار الحلفاء عام 1943، ولا سيما معركة العلمين، التي غيّرت موازين القوى في المنطقة ومهّدت لمرحلة جديدة في القضية الليبية.

وعقب انتهاء الحرب، شهدت الساحة الليبية نشوء أحزاب وهيئات سياسية طالبت بالاستقلال ووحدة التراب الوطني. ورغم اختلاف هذه القوى حول شكل الحكم، فإنها أجمعت على هدف واحد يتمثل في استقلال ليبيا وإنهاء أي شكل من أشكال الوصاية الأجنبية.

وتُوّجت هذه الجهود بعرض القضية الليبية على جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة، ما أسفر عن صدور القرار الدولي رقم (289) في 21 نوفمبر 1949، الذي نصّ على استقلال ليبيا في موعد أقصاه الأول من يناير 1952. وسارع الليبيون إلى تنفيذ القرار، فشُكّلت لجنة الواحد والعشرين، ثم الجمعية الوطنية التأسيسية، التي انبثقت عنها لجنة صياغة الدستور، والذي عُدّ آنذاك من أرقى الدساتير الاتحادية، وشكّل الأساس القانوني لقيام الدولة الليبية الحديثة.

واستكمال هذه المتطلبات مهّد للحظة التاريخية الخالدة، حين أُعلن استقلال ليبيا وسيادتها في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1951، في تأكيد واضح على أن الاستقلال لم يكن منحة، بل ثمرة تضحيات جسيمة وإرادة وطنية صلبة.

وتبقى ذكرى الاستقلال محطة لاستحضار معاني الوحدة والتكاتف، ودعوة متجددة لتعزيز الهوية الوطنية وحماية سيادة البلاد، وفاءً لتضحيات الآباء والأجداد، واستشرافًا لمستقبل يليق بتاريخ ليبيا ونضال شعبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى