الشاوش: الانتخابات دون توافق قد تعمق الانقسام
الشاوش: الحوار المهيكل فرصة لكسر الانسداد السياسي الليبي
ليبيا 24
مسار أممي جديد في لحظة انسداد مزمن
في وقت تتراكم فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية في ليبيا، ويزداد المشهد تعقيدًا بفعل الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القرار، عاد المسار الأممي إلى الواجهة من خلال إطلاق ما يعرف بـ«الحوار المهيكل»، في محاولة لكسر حالة الجمود التي خيمت على العملية السياسية طوال السنوات الماضية. هذا المسار، الذي يأتي وسط تشكيك شعبي ونخبوي متراكم من تجارب سابقة، يطرح تساؤلات جوهرية حول جدواه، وحدود قدرته على إنتاج حلول مستدامة، وإمكانية تحوله إلى نقطة انعطاف حقيقية في مسار الأزمة الليبية.
الحمري الشاوش، عضو لجنة الحوار المهيكل ورئيس حزب «نبض الوطن»، يرى أن هذا المسار لا يمكن اختزاله في كونه إعادة إنتاج للوجوه ذاتها، أو تدويرًا لنخب تقاسمت السلطة دون نتائج ملموسة. ويؤكد أن طبيعة التشكيل، وآليات الاختيار، والرهان على التنوع المجتمعي والمؤسسي، تمنحه خصوصية تختلف عن محطات سياسية سابقة فشلت في إحداث اختراق حقيقي.
تمثيل أوسع خارج الأجسام التقليدية
بحسب الشاوش، فإن أحد أبرز عناصر القوة في الحوار المهيكل يتمثل في خروجه النسبي عن هيمنة الأجسام الحاكمة القائمة، التي أثبتت التجربة عجزها عن إنتاج حلول بمفردها. فقد اعتمد المسار، وفقًا له، على تمثيل واسع شمل بلديات، وأحزابًا سياسية، ونقابات، ومؤسسات أكاديمية، ومنظمات شبابية وطلابية، إضافة إلى منظمات نسوية، مع مراعاة التنوع الجغرافي والسياسي.
هذا الاتساع في قاعدة التمثيل، يهدف – كما يوضح – إلى نقل النقاش من دوائر الصراع النخبوي المغلقة إلى فضاء أوسع يعكس تعقيدات المجتمع الليبي، ويمنح مخرجات الحوار قدرًا أكبر من المصداقية والقبول، خاصة في ظل فقدان الثقة المتراكم بين المواطنين والمؤسسات السياسية.
أربعة مسارات لمعالجة جذور الأزمة
يرتكز الحوار المهيكل على أربعة مسارات رئيسية، تتناول في مجملها الاختلالات التي ساهمت في إطالة أمد الأزمة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني. ويرى الشاوش أن هذه المقاربة الشاملة تمثل فارقًا جوهريًا مقارنة بمسارات سابقة ركزت على تقاسم السلطة، وأهملت جذور الصراع، ما أدى إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها بأشكال مختلفة.
ويشير إلى أن الرهان الأساسي يتمثل في تحويل مخرجات الحوار إلى توصيات واقعية قابلة للتنفيذ، تنقل العملية السياسية من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة معالجتها، وهو تحدٍ يتطلب، إلى جانب الجهد الليبي، دعمًا دوليًا متماسكًا وضاغطًا لضمان الالتزام بالمسار المتفق عليه.
القاعدة الدستورية وإشكالية الإرادة السياسية
في واحدة من أكثر القضايا حساسية، يميز الشاوش بين غياب القاعدة الدستورية كإطار قانوني، وغياب الإرادة السياسية لاحترام أي قاعدة يتم التوافق عليها. فالتجربة الليبية، وفق تقييمه، أظهرت أن النصوص وحدها لا تشكل ضمانة، إذ جرى الالتفاف على اتفاقات دستورية وقانونية قائمة عندما تعارضت مع مصالح قوى نافذة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد أن الحل لا يكمن فقط في صياغة قاعدة دستورية جديدة، بل في توفير ضمانات مؤسسية وقضائية، إلى جانب ضغط مجتمعي ودولي، يفرض احترام القواعد، ويمنع استخدامها كأدوات في الصراع السياسي.
الانتخابات بين الحل والمخاطرة
رغم الإجماع الظاهري على الانتخابات كمدخل لإنهاء المراحل الانتقالية، يحذر الشاوش من التعامل معها بوصفها حلًا سحريًا. فالانتخابات، في ظل انقسام إداري وأمني عميق، وغياب ضمانات قبول النتائج، قد تتحول إلى عامل تفجير لأزمة جديدة بدل أن تكون مخرجًا منها.
وفي المقابل، يرى أن تعطيل الانتخابات بحجة عدم اكتمال الظروف يكرس الجمود السياسي، ويمنح الأجسام القائمة مبررًا للاستمرار. والحل، بحسبه، يكمن في تهيئة حد أدنى من البيئة الآمنة، وتوحيد الإدارة، وضمان حياد المؤسسات، ووضع آليات واضحة لمعالجة الطعون والنزاعات، بما يجعل الانتخابات جزءًا من الحل لا سببًا للأزمة.
بدائل محدودة ومخاطر مضاعفة
في حال تعذر إجراء الانتخابات على المدى القريب، تبدو البدائل – وفق الشاوش – محدودة ومحفوفة بالمخاطر. فاستمرار الانقسام يفتح الباب أمام تجدد الصراع، ويضاعف من مخاطر الانهيار الاقتصادي، في بلد استنزفت احتياطياته وتآكلت منظوماته الإدارية بفعل الصراع الممتد.
ويحذر من أن فشل الليبيين في التوافق على إدارة شؤونهم سيدفع نحو مزيد من التدخل الدولي، وربط مستقبل البلاد بانعكاسات صراعات الدول ذات المصالح في ليبيا، وصولًا إلى سيناريوهات الفشل الكلي والانقسام الدائم.
التمديد السياسي وفقدان الثقة
يحمّل الشاوش التمديد المتكرر للأجسام السياسية مسؤولية تعميق فقدان الثقة بين المواطن والدولة، معتبرًا أنه أسهم في تقويض الاستقرار، وتكريس الصراعات، وتعميق الانقسام الحكومي والمؤسسي. هذا الواقع، بحسبه، انعكس مباشرة على الوضع الاقتصادي والأمني، وفتح المجال أمام تغول الفساد، وتشتت منظومات الرقابة والمحاسبة.
دور البعثة الأممية بين الوساطة والتدخل
في تقييمه لدور البعثة الأممية، يرى الشاوش أنها تمثل واجهة للمجتمع الدولي، الذي يجد مساحة أوسع للتأثير كلما طال أمد الصراعات المحلية. ورغم تأثرها بالخلافات بين القوى الدولية، يؤكد أن للبعثة أدوارًا مهمة في مراحل مفصلية، من وقف القتال، إلى دعم لجنة (5+5)، والمساهمة في احتواء أزمات سيادية وأمنية.
ويشدد على أن الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى توافق واستقرار وطنيين، يلغيان الحاجة إلى أي وساطة خارجية، على غرار تجارب دول أخرى أنهت أدوار البعثات الأممية بعد استعادة الاستقرار.
إدارة الموارد السيادية تحت ضغط الانقسام
على الصعيد الاقتصادي، يرسم الشاوش صورة قاتمة لإدارة الموارد السيادية، في ظل غياب ميزانية موحدة وتعدد مراكز القرار. ويشير إلى فجوة خطيرة بين الدخل والإنفاق، مع عجز شهري يضغط على الاحتياطي النقدي، ويهدد قيمة العملة المحلية، ويضعف القدرة الشرائية للمواطن.
ويرى أن الإصلاح يبدأ بتوحيد المؤسسات السيادية، وتعزيز الشفافية والرقابة، وربط الإنفاق بأولويات وطنية واضحة، وفصل إدارة الموارد عن التجاذبات السياسية، لضمان الاستدامة الاقتصادية.
السلاح خارج الدولة ومعضلة السلطة المدنية
يؤكد الشاوش أن وجود السلاح خارج إطار الدولة يمثل عائقًا جوهريًا أمام بناء سلطة مدنية قوية، إذ يجعل المؤسسات خاضعة لتأثير المجموعات المسلحة، ويغذي الفساد، ويقوض سيادة القانون. ولا يرى مخرجًا من هذا المأزق إلا عبر سلطة موحدة وقوانين ملزمة تحتكر السلاح، وتنهي مسببات انتشاره.
مخاطر الحكومة القادمة وشروط النجاح
يحذر الشاوش من خطرين داهمين يواجهان أي حكومة مقبلة: الانخراط في صراعات واصطفافات سياسية تفقدها القدرة على العمل في عموم البلاد، والفشل في الإدارة الاقتصادية بما يقود إلى انهيار شامل. ويقترح أن تركز الحكومة المقبلة على تقديم الخدمات الأساسية، وضبط الإنفاق، والتحضير الجاد للانتخابات، مع الابتعاد عن أي اصطفاف سياسي.
نحو علاقة ندية مع المجتمع الدولي
يخلص الشاوش إلى أن إعادة صياغة علاقة ليبيا مع المجتمع الدولي على أساس الندية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر استقرار وطني قائم على توافق داخلي حقيقي، يفرض احترام الإرادة الليبية، ويحول ليبيا من ساحة صراع مصالح إلى شريك يحظى بالاحترام المتبادل.



