احتجاجات طرابلس ومصراتة تعمّق مأزق حكومة الدبيبة وتطالب بالتغيير
موجة غضب شعبي في غرب ليبيا تطالب برحيل الحكومة
ليبيا 24
احتجاجات غرب ليبيا تعيد طرح سؤال الشرعية والانتقال السياسي
تشهد مدينتا طرابلس ومصراتة، إلى جانب مناطق أخرى في غرب ليبيا، موجة احتجاجات شعبية متصاعدة، على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، واستمرار حالة الجمود السياسي، وسط مطالب واضحة برحيل الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والتعجيل بإجراء انتخابات عامة تضع حدًا لمسار انتقالي طال أمده.
وتأتي هذه التحركات الشعبية في سياق سياسي معقد، تعيشه ليبيا منذ تعثر الانتخابات العامة التي كان من المقرر إجراؤها في ديسمبر 2021، وهو التعثر الذي فتح الباب أمام استمرار الأجسام التنفيذية والتشريعية دون تفويض انتخابي مباشر، ما فاقم منسوب الاحتقان لدى قطاعات واسعة من الليبيين.
دوافع معيشية تتقاطع مع مطالب سياسية
ورغم أن الشرارة الأولى للاحتجاجات ارتبطت بتردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن الشعارات التي رُفعت في الساحات والشوارع عكست بوضوح انتقال الغضب من الإطار الخدمي إلى المطلب السياسي. فقد طالب المحتجون برحيل حكومة الدبيبة منتهية الولاية ، ورفضوا سياساتها، معتبرين أنها أخفقت في الوفاء بتعهداتها الأساسية، وعلى رأسها إجراء الانتخابات وتحسين الظروف المعيشية.
ويرى مراقبون أن هذا التداخل بين المعيشي والسياسي يعكس حالة إرهاق عام من إدارة المرحلة الانتقالية، حيث بات المواطن يشعر بأن الأزمات اليومية ليست منفصلة عن طبيعة الحكم المؤقت، وغياب المساءلة، واستمرار الفساد، وتغليب المصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة.
دلالات خروج الاحتجاجات من معاقل تقليدية للحكومة
يمنح خروج الاحتجاجات من مدن كبرى في غرب البلاد، كانت تُعد حتى وقت قريب ضمن الحاضنة الاجتماعية للحكومة، دلالة سياسية مضاعفة. فهذه التحركات لا يمكن قراءتها بوصفها موجة عابرة، بل مؤشرًا على تراجع الرصيد الشعبي الذي استندت إليه الحكومة منذ تشكيلها، عندما قُدّمت باعتبارها سلطة انتقالية مهمتها الأساسية توحيد المؤسسات وتهيئة البلاد للاستحقاق الانتخابي.
ومع مرور الوقت، وتكرار الإخفاقات، تحوّل هذا الرصيد إلى عبء سياسي، خاصة في ظل غياب أفق واضح لنهاية المرحلة الانتقالية، واستمرار الأزمات الخدمية، وتنامي الشعور بعدم العدالة في توزيع الموارد.
تآكل الشرعية وتراجع الثقة
تطرح الاحتجاجات الجارية تساؤلات جوهرية حول مسألة الشرعية، فاستمرار حكومة منتهية الولاية دون تفويض شعبي متجدد، بات محل رفض متزايد. ويؤكد محللون أن فشل الحكومة في تنفيذ تعهدها الرئيسي بإجراء الانتخابات أسهم بشكل مباشر في تآكل الثقة بينها وبين الشارع، وأفقدها القدرة على تسويق بقائها باعتباره ضرورة مرحلية.
ولا يقتصر هذا الرفض على الحكومة وحدها، بل يمتد ليشمل الأجسام السياسية الأخرى، بما في ذلك مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، اللذين يُحمّلهما المحتجون مسؤولية التعطيل المتبادل، وعدم التوصل إلى توافق يفتح الطريق أمام الانتخابات.
الانتخابات كمطلب جامع للغضب الشعبي
أصبحت الانتخابات العامة، البرلمانية والرئاسية، عنوانًا جامعًا لمطالب المحتجين، باعتبارها المدخل الوحيد لإنهاء حالة السيولة السياسية. ولم يعد هذا المطلب شعارًا نخبويًا، بل تحوّل إلى مطلب شعبي واسع، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الوضع الراهن يعني إعادة إنتاج الأزمات ذاتها.
ويشير متابعون إلى أن تعثر المسار الانتخابي عمّق الفجوة بين المواطن والنخب الحاكمة، ورسّخ قناعة بأن هذه النخب تستفيد من إطالة أمد المرحلة الانتقالية، على حساب الاستقرار السياسي والاقتصادي.
موقع الحكومة في ظل الاحتجاجات
سياسيًا، تُضعف الاحتجاجات المتصاعدة موقع عبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة، وتضعه أمام أزمة ثقة حقيقية، غير أن استمرار الاحتجاجات، واتساع رقعتها، قد يفرض معادلات جديدة، سواء عبر تصعيد الشارع، أو من خلال ضغوط سياسية داخلية وخارجية لإعادة ترتيب المشهد التنفيذي.
حديث عن تعديل وزاري ومحاولات امتصاص الغضب
في خضم هذه التطورات، عاد الحديث عن احتمال إجراء تعديل وزاري، يُنظر إليه من قبل كثيرين باعتباره محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، وتحميل بعض الوزراء مسؤولية الإخفاقات، دون معالجة جوهر الأزمة المتمثلة في غياب خارطة طريق واضحة نحو الانتخابات.
ويرى معارضو الحكومة أن أي تعديل لا يقترن بتعهدات ملزمة وجداول زمنية واضحة للاستحقاق الانتخابي، سيظل إجراءً شكليًا، يهدف إلى كسب الوقت أكثر من كونه استجابة حقيقية لمطالب الشارع.
مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
تعكس الاحتجاجات في طرابلس ومصراتة حالة تململ شعبي متزايدة من الواقع السياسي القائم، ورفضًا صريحًا لسياسات الحكومة، واستمرار الأجسام الحالية. وبينما يبقى المشهد مفتوحًا على عدة احتمالات، فإن الثابت هو أن الشارع الليبي بات أكثر جرأة في التعبير عن مطالبه، وأكثر وضوحًا في رفضه لإدامة الوضع الراهن دون تفويض شعبي.



