إدريس احميد يكتب: ليبيا… المسار العسكري طريق الحل للملف السياسي
انتشار السلاح حول الخلافات السياسية إلى مغالبات مسلحة
ليبيا 24
منذ العام 2011، تعاني ليبيا من انهيار شبه كامل لمؤسسة الدولة العسكرية، في مقابل انتشار واسع للسلاح خارج إطار الشرعية، وظهور تشكيلات مسلحة ذات طابع مناطقي وأيديولوجي، فرضت نفسها كقوة أمر واقع، وأسهمت بشكل مباشر في إنتاج حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي ما تزال البلاد ترزح تحت وطأتها حتى اليوم.
لقد لعب انتشار السلاح دورًا محوريًا في قلب موازين القوى داخل المجتمع الليبي، حيث تحولت الخلافات السياسية إلى مغالبات مسلحة، شقّت النسيج الاجتماعي، وانحرفت بالمسار السياسي عن أهدافه الوطنية، وأدخلت البلاد في دوامة من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، نتيجة سيطرة التشكيلات المسلحة على القرار السيادي والإداري في عدد من المدن، خصوصًا في الغرب الليبي.
في هذا السياق، رفضت بعض التشكيلات التي أطلقت على نفسها صفة “الثوار” قرارات المجلس التنفيذي المؤقت، الذي ترأسه الراحل محمود جبريل، والمتعلقة بجمع السلاح وبناء مؤسسات الدولة، بذريعة “حماية الثورة”، في حين التزمت كتائب أخرى بتسليم سلاحها، وانخرط أفرادها في الحياة المدنية، ما كشف مبكرًا عن تباين حقيقي في النوايا والمشاريع.
ومع مرور الوقت، لم يقتصر أثر السلاح على المشهد الأمني، بل امتد ليطال المسار الانتخابي ذاته، حيث شاب انتخابات المؤتمر الوطني العام انحراف واضح بفعل التحالف بين بعض التشكيلات المسلحة وقوى سياسية ذات توجهات أيديولوجية، ما أسس لانقسام سياسي عميق ما زالت تداعياته مستمرة.
وجاءت أحداث عام 2014، وما عُرف بعملية “فجر ليبيا”، عقب انتخابات مجلس النواب، لتشكّل نقطة تحول خطيرة، إذ اندلعت مواجهات مسلحة داخل العاصمة طرابلس، أُحرِق خلالها مطارها الدولي والطائرات المدنية، وتعزز نفوذ تشكيلات مسلحة لا تمتّ للثورة بصلة، لكنها استثمرت في الفوضى وغياب الدولة، واتخذت من المناطق أسماءً لها، في تعبير واضح عن تفكك السلطة المركزية.
في المقابل، شهدت مدن الشرق الليبي، وعلى رأسها بنغازي ودرنة، تصاعدًا خطيرًا لظاهرة التشدد الديني، مع بروز جماعات متطرفة مثل “أنصار الشريعة”، التي سيطرت على المشهد الأمني، ونفذت سلسلة من الاغتيالات طالت ضباطًا في الجيش والشرطة، إضافة إلى مثقفين ونشطاء وصحفيين، ما خلق حالة من الرعب والخوف داخل المجتمع.
أمام هذا الواقع، خرج أهالي بنغازي مطالبين بإنهاء الفوضى، فبرز المشير خليفة حفتر، الذي قبل المهمة في ظروف شديدة التعقيد، بإمكانات محدودة، لكنه استند إلى الإرادة والعزيمة. وبعد حرب ضروس استمرت قرابة أربع سنوات، تمكن الجيش الوطني الليبي من تحقيق انتصار كامل وغير منقوص في المنطقة الشرقية، رغم ما واجهه من دعم داخلي وخارجي واسع للتنظيمات المسلحة.
وانطلقت بعدها عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية، التي نجحت في بسط الأمن والاستقرار في الجنوب الليبي، شرقًا وغربًا، وتأمين الحدود مع دول الجوار الخمس، وصولًا إلى وسط البلاد، ثم شمالها الشرقي، وتحديدًا مدينة سرت، في رقعة جغرافية تتجاوز 80% من مساحة ليبيا، بالتوازي مع انطلاق مشاريع تنموية وبنائية.
وفي أكتوبر 2020، تأسست اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، كخطوة مفصلية نحو توحيد المؤسسة العسكرية، حيث ضمت ضباطًا من شرق وغرب البلاد، وتوصلت إلى جملة من القرارات المهمة، قُدِّمت للحكومات المتعاقبة من أجل تنفيذها، غير أنها بقيت حبيسة الورق، دون إرادة سياسية حقيقية لترجمتها على أرض الواقع.
ولا تزال المنطقة الغربية، وخاصة العاصمة طرابلس، خاضعة لسيطرة التشكيلات المسلحة، التي تحظى – للأسف – بدعم بعض الحكومات، التي تستقوي بها بدل العمل على تفكيكها وبناء مؤسسات أمنية نظامية.
ورغم الموقع الرسمي الذي شغله الفريق أول محمد الحداد رئيسًا لأركان الجيش الليبي، فإن صوته ظل محدود التأثير في ظل واقع أمني معقّد، تهيمن عليه التشكيلات المسلحة وتفرض نفسها كقوة أمر واقع، ما قيّد قدرة المؤسسة العسكرية النظامية على أداء دورها الحقيقي. فقد اصطدمت مواقفه الوطنية، الداعية إلى توحيد المؤسسة العسكرية، ونزع سلاح المليشيات، وخروج القوات الأجنبية، بميزان قوى مختل يميل لصالح السلاح خارج شرعية الدولة، الأمر الذي جعل رئاسة الأركان في الغرب الليبي أقرب إلى توصيف إداري منها إلى قيادة عسكرية فاعلة تمتلك أدوات التنفيذ على الأرض.
وفي خضم تحركات البعثة الأممية والدعوات الدولية المتكررة للحل السياسي، جرى تهميش ملف توحيد المؤسسة العسكرية، والتركيز بشكل شبه حصري على المسار السياسي، في تجاهل واضح لحقيقة مفادها أن أي مسار سياسي لا يمكن أن ينجح دون حسم الملف الأمني والعسكري، ولا يمكن إجراء انتخابات حرة ونزيهة والسلاح خارج شرعية الدولة.
ويأتي مقتل الفريق أول محمد الحداد، رفقة اللواء محمود غربييل، في غرب البلاد، ليعيد طرح تساؤلات مصيرية حول مستقبل هذا المسار. فالحداد لعب أدوارًا عسكرية واجتماعية بارزة، وأسهم في نزع فتيل الاقتتال في أكثر من مناسبة، ودعا إلى انسحاب القوات الأجنبية، ورفض تمديد الوجود العسكري التركي، واضعًا المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
إن هذا الحدث يفتح الباب أمام تساؤلات جدية:
هل ستستمر اجتماعات اللجنة العسكرية في مساعي توحيد المؤسسة العسكرية؟ أم أن الانقسام السياسي وتداعياته سيعيدان البلاد إلى نقطة الصفر؟
يبقى الجواب مرهونًا بإرادة وطنية صادقة تعي أن المسار العسكري المنضبط والموحد هو الأساس الحقيقي لأي حل سياسي مستدام في ليبيا.



