خبير اقتصادي يوضح الجدل القانوني حول رسم النقد الأجنبي
خلاف الضريبة والرسم يعيد الجدل حول صلاحيات المركزي

عاد الجدل في الأوساط الاقتصادية والسياسية الليبية بشأن فرض الرسم على بيع النقد الأجنبي، في ظل تساؤلات متزايدة حول مشروعية الإجراء وحدود الاختصاص بين السلطات المالية. هذا النقاش أعيد إلى الواجهة بعد تصريحات أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي عطية الفيتوري، التي سلّط فيها الضوء على الخلط القائم بين مفهومي الضريبة والرسم، وما يترتب عليه من إشكالات قانونية واقتصادية تمس معيشة المواطنين واستقرار النظام المالي.
التمييز القانوني بين الضريبة والرسم
أكد الفيتوري أن أساس الخلاف يعود إلى عدم التمييز الدقيق بين الضريبة والرسم من الناحية القانونية. فالضريبة، وفق القواعد المالية المعمول بها، لا تُفرض إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية ممثلة في مجلس النواب، وبنص واضح وصريح يحدد طبيعتها ونسبتها وأوجه إنفاقها. أما الرسم، فيقع ضمن اختصاص السلطة التنفيذية، ويُفرض بقرار من الحكومة أو وزير المالية، شريطة موافقة مجلس الوزراء، وفي إطار ما يسمح به القانون المالي للدولة.
وأوضح أن هذا الفصل بين المفهومين ليس مسألة فنية فحسب، بل هو ركن أساسي في حماية مبدأ المشروعية، ومنع تضارب الصلاحيات بين المؤسسات، لافتًا إلى أن غياب هذا الفهم أسهم في تضليل الرأي العام وخلق حالة من الارتباك حتى داخل الدوائر السياسية.
حدود صلاحيات مصرف ليبيا المركزي
وفي سياق متصل، شدد الفيتوري على أن مصرف ليبيا المركزي لا يملك أي صلاحية قانونية لفرض ضريبة أو رسم، وأن دوره يقتصر على تنفيذ السياسات النقدية وبيع النقد الأجنبي بالسعر الذي تقره الجهات المختصة. وبيّن أن المركزي لا يملك حتى فرض رسوم على التحويلات الرسمية التي تنفذها الحكومة، لأن ذلك يخرج عن اختصاصه المحدد قانونًا.
وأشار إلى أن تحميل المصرف المركزي مسؤولية فرض الرسوم يمثل انحرافًا عن دوره الحقيقي، وقد يعرّضه لضغوط سياسية ومؤسسية تهدد استقلاله ووظيفته الأساسية في الحفاظ على الاستقرار النقدي.
استعرض الفيتوري التسلسل الزمني للقرارات الصادرة عن مجلس النواب بشأن الرسم على بيع العملات الأجنبية، موضحًا أن القرار رقم (15) جاء بنسبة مرتفعة في بدايته، قبل أن يتم تعديلها بالقرار رقم (68) وخفضها إلى 20%. ثم صدر لاحقًا قرار لسنة 2024 حدد نسبة 15%، لكنه، بخلاف القرار الأصلي، لم يحدد مدة زمنية لانتهاء العمل به.
واعتبر أن غياب الإطار الزمني في القرار الأخير يثير إشكالية قانونية حقيقية حول استمرارية الرسم، ويضع المؤسسات المالية أمام فراغ تشريعي قد يُساء استخدامه أو تفسيره.
انعكاسات اقتصادية مباشرة على المواطن
وحذر الفيتوري من التداعيات الاقتصادية لاستمرار الرسم، موضحًا أن العائدات المتأتية منه تُسجل لحساب مصرف ليبيا المركزي، ثم تُحوّل لاحقًا إلى وزارة المالية، في حين يتحمل المواطن العبء الأكبر عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات، نتيجة تحميل الرسم ضمن تكلفة الاستيراد.
وأضاف أن إلغاء الرسم من شأنه أن ينعكس إيجابًا على الأسعار، ويخفف الضغط عن أصحاب الدخول الثابتة والموظفين الذين يتقاضون مرتباتهم من الدولة، خاصة في ظل تآكل القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم.
مسؤولية التنفيذ واحترام قرارات البرلمان
وأكد الفيتوري أن تنفيذ قرارات مجلس النواب المتعلقة بالرسوم والضرائب يقع مباشرة على عاتق مصرف ليبيا المركزي، مشددًا على أنه لا يمكن تصور أن مؤسسة عيّن البرلمان قيادتها تمتنع عن الالتزام بقراراته. واعتبر أن أي مخالفة في هذا السياق تمثل إخلالًا بالمسؤولية الدستورية، وقد تقود إلى زعزعة الثقة في المؤسسة النقدية.
مخاوف من تكرار الانقسام المالي
وفي تحذير لافت، استعاد الفيتوري تجربة الانقسام المالي التي شهدتها ليبيا في سنوات سابقة، حين أدى عدم الالتزام بقرارات السلطة التشريعية إلى أزمات نقدية حادة، وازدواج في إصدار العملة، وما رافق ذلك من ارتباك مالي واسع النطاق. وأكد أن تجاوز الصلاحيات أو تداخلها قد يعيد إنتاج المشهد ذاته، مع كلفة اقتصادية واجتماعية باهظة.



