ليبيا

انهيار الدينار يضاعف معاناة الليبيين قبيل رمضان وسط غلاء خانق

قفزات الدولار تضغط المعيشة وتكشف فشل سياسات حكومة الدبيبة

ليبيا 24

الدينار في مهب العاصفة: معيشة الليبيين بين انهيار العملة وفشل السياسات

مع اقتراب شهر رمضان، لا يتهيأ الليبيون لاستقباله كما اعتادوا، بل يواجهون موسماً ثقيلاً تتراكم فيه المخاوف أكثر من البهجة. فبينما تتسارع وتيرة تراجع قيمة الدينار أمام الدولار، تتآكل القدرة الشرائية للأسر، وتتسع دائرة القلق الاجتماعي، في مشهد يعكس أزمة اقتصادية عميقة تتداخل فيها السياسة بالمال، ويقف المواطن في قلب العاصفة بلا حماية حقيقية.

لم يعد الحديث عن سعر الصرف شأناً يخص المتعاملين في السوق الموازية أو التجار الكبار فقط، بل بات جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، يطرق أبواب البيوت مع كل فاتورة، وكل زيارة طبيب، وكل رحلة تسوق بسيطة. ومع وصول الدولار إلى عتبة غير مسبوقة قاربت التسعة دنانير، يشعر الليبيون بأن الدينار دخل مرحلة سقوط حر، لا تقف أمامه حواجز أو سياسات قادرة على الحد من اندفاعه.

غلاء متسارع وقدرة شرائية تتآكل

قبل أشهر قليلة، كان المواطن الليبي يتأقلم بصعوبة مع مستويات أسعار مرتفعة نسبياً، لكن القفزات الأخيرة في سعر الدولار كسرت هذا التوازن الهش. فالفارق بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية لم يعد مجرد رقم، بل أصبح فجوة تبتلع دخل الأسر وتضعها أمام خيارات قاسية.

في أسواق طرابلس، يقول محمد الزلطني، وهو عامل في متجر للمواد الغذائية، إن الركود بات السمة الغالبة. يضيف بنبرة تعب واضحة أن كل ارتفاع جديد في سعر الدولار يترجم فوراً إلى زيادة في الأسعار، دون انتظار أو تدرج. ويضرب مثالاً بسعر الجبن، الذي ارتفع خلال فترة قصيرة من مستوى كان في متناول كثير من العائلات إلى سعر بات يفرض الاستغناء عنه أو تقليص استهلاكه.

هذا المشهد لا يقتصر على سلعة بعينها، بل يشمل معظم المواد الأساسية، من الزيت والدقيق إلى اللحوم والبقوليات. ومع اقتراب رمضان، الشهر الذي يشهد تقليدياً زيادة في الاستهلاك، تتضاعف المخاوف من موجة غلاء جديدة قد تجعل كثيراً من العائلات عاجزة عن تأمين احتياجاتها الضرورية.

رمضان بلا فرح: طقوس مهددة وأعباء متراكمة

لطالما كان رمضان في ليبيا مناسبة للتكافل الاجتماعي ولمّ الشمل، لكن الأزمة الاقتصادية الحالية تهدد هذه الطقوس. فالأسر التي كانت تعتمد على دخل ثابت بالكاد يكفي، باتت اليوم تعيد حساباتها بدقة، وتضع قوائم شراء مختصرة، وتؤجل كثيراً من المتطلبات.

تقول أم أيمن، ربة منزل من ضواحي طرابلس، إن الاستعداد لرمضان هذا العام مختلف تماماً. تضيف أن ميزانية الغذاء وحدها باتت تلتهم معظم دخل الأسرة، ما اضطرها إلى التخلي عن كثير من الأصناف التي كانت تعتبر أساسية على المائدة الرمضانية. وتتابع أن الحديث عن الزينة أو الحلويات لم يعد مطروحاً، فالأولوية باتت لتأمين الحد الأدنى من الطعام.

الصحة تتحول إلى عبء ثقيل

لا تقتصر آثار تراجع الدينار على الغذاء، بل تمتد بقوة إلى قطاع الصحة، حيث بات العلاج عبئاً إضافياً يثقل كاهل الأسر. فارتفاع أسعار الأدوية والكشوفات الطبية جعل زيارة الطبيب قراراً مؤجلاً أو اضطرارياً، وليس خياراً وقائياً.

يروي محمد الزلطني تجربة شخصية مؤلمة تتعلق بعلاج طفله، موضحاً أن تكلفة الكشف الطبي ارتفعت خلال فترة قصيرة بشكل لافت، في وقت لم يشهد فيه دخله أي زيادة. ويستعيد بحسرة أياماً كانت فيها الأدوية الأساسية في متناول الجميع، قبل أن تتحول اليوم إلى عبء مالي لا يستهان به.

أما نجاة، وهي موظفة وأم لأطفال، فتشير إلى أن تراجع قيمة الدينار لم يغلق فقط باب العلاج في الخارج أمام كثير من المرضى، بل ضيّق الخناق أيضاً داخل البلاد. فالمستشفيات المحلية تعاني نقص الأدوية والتجهيزات، في وقت أصبحت فيه تكلفة السفر والعلاج خارج ليبيا حلماً بعيد المنال لغالبية الأسر.

المدن البعيدة… معاناة مضاعفة

تتفاوت آثار الأزمة بين المدن، لكن المناطق البعيدة عن موانئ الاستيراد تشعر بارتداداتها بشكل أسرع وأقسى. فتكاليف النقل تضاف إلى الأسعار المرتفعة أصلاً، ما يجعل السلع الأساسية أكثر كلفة، ويعمّق الفجوة بين الدخول والنفقات.

يوضح الإعلامي أحمد الحضيري أن الأسواق في بعض المدن الشرقية والجنوبية تشهد ارتفاعات تفوق تلك المسجلة في المدن الساحلية. ويضيف أن السكان يعتمدون بشكل شبه كامل على السلع القادمة من غرب البلاد، ما يجعلهم رهائن لتقلبات الأسعار وسلاسل الإمداد، خصوصاً قبيل المواسم الاستهلاكية الكبرى.

قراءة حقوقية: أزمة معيشية بوجه إنساني

من زاوية حقوقية، لا تُقرأ هذه التطورات باعتبارها أرقاماً اقتصادية مجردة، بل بوصفها أزمة إنسانية متفاقمة. فقد حذرت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا من تداعيات انهيار قيمة الدينار وغلاء أسعار الغذاء، إلى جانب أزمات السيولة والوقود والكهرباء، مؤكدة أن هذه العوامل مجتمعة تزيد قسوة الحياة اليومية على المواطنين، حتى في الفصول التي يفترض أن تكون أقل كلفة.

وترى المؤسسة أن استمرار هذا الوضع دون تدخلات جذرية يهدد بتوسيع رقعة الفقر، ويقوّض الحق في مستوى معيشي لائق، خاصة للفئات الأكثر هشاشة، كذوي الدخل المحدود وكبار السن والمرضى.

التسعيرة الجبرية: حل مؤقت أم إجراء شكلي؟

في مواجهة هذا الضغط المتصاعد، تروّج حكومة الدبيبة منتهية الولاية لما تسميه إجراءات احترازية، من بينها فرض تسعيرة جبرية لبعض السلع الأساسية. غير أن الشارع الليبي ينظر إلى هذه الخطوات بشيء من التشكيك.

يقول مواطنون إن هذه التسعيرات غالباً ما تبقى حبراً على ورق، أو تطبق بشكل انتقائي، ما يفتح الباب أمام التلاعب بالجودة أو الكميات. ويشيرون إلى أنهم يتفاجأون بأسعار أعلى من المعلن، أو بمنتجات أقل جودة، في ظل غياب رقابة فعالة.

مصرف ليبيا المركزي يعترف… ولكن

اعترف مصرف ليبيا المركزي، عقب اجتماع لجنة سياساته النقدية، بأن البلاد تمر بأوضاع اقتصادية دقيقة، عازياً ذلك إلى عدم الاستقرار السياسي وضعف انضباط المالية العامة. وأعلن عن خطة لاحتواء ارتفاعات سعر الصرف، لكن هذه التصريحات لم تبدد القلق الشعبي.

فالكثير من المحللين يرون أن المشكلة أعمق من مجرد أدوات نقدية، وتتطلب إصلاحات شاملة في إدارة المال العام، وضبط الإنفاق، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

انتقادات لاذعة للسياسات النقدية

يحمّل خالد بوزعلوك، رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية، السياسات النقدية الخاطئة جانباً كبيراً من المسؤولية. ويشير إلى أن منح الاعتمادات شابته المحاباة والواسطة، إلى جانب ضعف الدور الرقابي، وإخفاق آليات تتبع البضائع من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول.

ويرى بوزعلوك أن هذه الاختلالات فتحت الباب أمام استغلال الدعم وتحويله إلى أرباح خاصة، على حساب المواطن، وأسهمت في تعميق الأزمة بدلاً من احتوائها.

اعتمادات مدعومة… وأرباح خاصة

زادت الأرقام التي كشفت عنها حكومة الدبيبة منتهية الولاية من حدة الجدل، بعدما أعلنت أن شركات استوردت أجهزة وهواتف بالدولار المدعوم، ثم باعتها بأسعار السوق الموازية، محققة أرباحاً ضخمة. واعتبرت الحكومة أن هذا السلوك حمّل المواطنين أعباء إضافية وأسهم في تكوين طبقة رأسمالية محدودة.

غير أن هذا الإقرار، في نظر كثيرين، لا يعفي الحكومة نفسها من المسؤولية، بل يطرح تساؤلات حول فعالية الرقابة، ودور الجهات التنفيذية في منع هذا الاستغلال منذ البداية.

مسؤولية حكومية وسياسات إنفاق مضطربة

يرى بوزعلوك أن حكومة الدبيبة منتهية الولاية تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية عن انهيار سعر الصرف، بسبب سوء الإدارة وغياب سياسة إنفاق رشيدة، إضافة إلى تجاهل تقارير الجهات الرقابية التي حذرت مراراً من مواطن الفساد.

ويستشهد بحالة التخبط في التصريحات الرسمية، ومنها الجدل الذي أثير حول استخدام حصيلة ضريبة بيع الدولار، وما تبعه من نفي وتناقض بين الجهات المعنية، ما زاد من فقدان الثقة في السياسات الاقتصادية.

الشارع الليبي: صبر على المحك

في الشارع، يتقاطع الغضب مع الإحباط. فالمواطنون يشعرون بأنهم يدفعون ثمن صراعات سياسية وسوء إدارة لا يد لهم فيها. ويعبر كثيرون عن خشيتهم من أن تستمر الأزمة دون أفق واضح للحل، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي.

يقول أحد المتقاعدين إن دخله الشهري لم يعد يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية، وإنه بات يعتمد على مساعدة الأبناء. بينما يشير شاب عاطل عن العمل إلى أن ارتفاع الأسعار قضى على أي أمل في الاستقلال أو الزواج.

بين الاقتصاد والإنسان: الحاجة إلى حلول جذرية

تظهر الأزمة الحالية أن الاقتصاد الليبي لا يمكن فصله عن واقعه السياسي. فغياب الاستقرار، وتعدد مراكز القرار، واستمرار الفساد، كلها عوامل تقوض أي محاولة للإصلاح. ويرى مراقبون أن الحلول المؤقتة، كالتسعيرات الجبرية أو التصريحات التطمينية، لن تكون كافية دون معالجة جذرية لأسباب الأزمة.

وتشمل هذه المعالجة توحيد السياسات المالية والنقدية، وضبط الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية، وتوجيه الدعم مباشرة إلى مستحقيه، بعيداً عن شبكات المصالح.

المواطن أولاً

في النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن المواطن الليبي هو الحلقة الأضعف في معادلة معقدة، يدفع ثمنها من قوته وصحته واستقراره النفسي. ومع استمرار تراجع الدينار وارتفاع الأسعار، يصبح السؤال الملح: إلى متى يتحمل الشارع كلفة سياسات فاشلة وفساد مستمر؟

الإجابة، كما يرى كثيرون، تبدأ بوضع مصلحة المواطن في صدارة الأولويات، لا كشعار، بل كسياسة فعلية، تعيد للاقتصاد توازنه، وللحياة اليومية شيئاً من الكرامة المفقودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى