ليبيا

المصالحة الوطنية بين النص والواقع.. أزمة الاختصاص وفقدان الثقة

الصغير: احتكار المصالحة يعمّق الانقسام

المصالحة الوطنية تعد أحد أعمدة الاستقرار في الدول الخارجة من النزاعات، غير أن نجاحها يظل مشروطًا بتوافر شرطين أساسيين: الحياد والقدرة المؤسسية. وفي الحالة الليبية، يبرز التساؤل الجوهري اليوم: هل ما زالت المصالحة ممكنة عبر الأجسام التي أُنيط بها هذا الملف وفق اتفاق جنيف؟

بحسب اتفاق جنيف، كانت المصالحة الوطنية جزءًا من حزمة اختصاصات موزعة بوضوح بين الأطراف والأجسام المنبثقة عن الاتفاق، وكان من المفترض أن يتولى المجلس الرئاسي الدور الرئيسي في هذا الملف، بوصفه كيانًا توافقيًا يفترض فيه الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف.

المجلس الرئاسي فقد حياده وتحول إلى طرف في النزاع

غير أن مرور خمس سنوات على ذلك الاتفاق كشف عن واقع مغاير تمامًا؛ إذ تفككت منظومة الحوار، وانهارت منطلقاته، وتآكلت أهدافه، الأمر الذي أدى تلقائيًا إلى تعدّي كل طرف على اختصاصات غيره، في ظل غياب ضوابط حقيقية أو مرجعية جامعة تحمي روح الاتفاق ونصوصه.

وفي هذا السياق، يرى الدبلومسي السابق حسن الصغير يصبح من الصعب، إن لم يكن من المتعذر، التسليم اليوم بأن ملف المصالحة لا يزال من اختصاص المجلس الرئاسي، لا سيما بعدما حوّل المجلس نفسه، عبر ممارساته خلال السنوات الماضية، من أداة للحل إلى طرف في النزاع. فالمصالحة لا يمكن أن تُدار من موقع الانحياز، ولا يمكن أن يقودها من ارتبط عمليًا بأطراف صراع بعينها.

إن الإشكالية، كما يراها الصغير، لا تتوقف عند تعيين شخصيات بعينها أو الاعتراض على أسماء محددة، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال الثقة والشرعية السياسية: كيف يمكن الائتمان على ملف المصالحة من تحوّل، بفعل الارتهان للميليشيات وقوى الأمر الواقع في طرابلس وحكومة الدبيبة، إلى طرف صراع؟ وكيف يمكن لمن يعتدي على اختصاصات غيره، ويرتجل الإجراءات، ويتخبط في القرارات، أن يتصدر مشهد التوفيق بين الخصوم؟

إعادة تدوير للصراع لا مصالحة حقيقية

الأدهى من ذلك من وجهة نظر الصغير أن المشهد الحالي يعكس انقسامًا داخل الكيانات نفسها؛ فالمجلس الرئاسي، برئيسه ونائبيه، يبدو في حاجة إلى مصالحة داخلية قبل أن يتصدى لمصالحة وطنية شاملة. وكذلك الحال بالنسبة لحكومة تستند في بقائها إلى تحالفات هشة وقوى مسلحة متنازعة، تحتاج هي الأخرى إلى من يصالح بينها قبل أن تدّعي تمثيل الجميع.

ومن هنا، فإن جوهر الأزمة كما يقول الصغير لا يكمن فقط في الأشخاص أو التعيينات، بل في مبدأ احتكار المصالحة. فالمصالحة لا يمكن أن تكون حكرًا على خصم، ولا أن تُدار من طرف واحد، ولا أن تُختزل في أجسام فقدت حيادها وتحولت، عمليًا أو سياسيًا، إلى أطراف صراع، إن لم تصبح أعداءً بالمعنى السياسي للكلمة.

المصالحة الوطنية الحقيقية كما يراها الصغير تحتاج إلى إطار جامع، وآليات مستقلة، وضمانات حياد، وتستلزم قبل ذلك الاعتراف بأن من لا يملك قراره، ولا يسيطر على أدواته، ولا يحظى بثقة خصومه، لا يمكن أن يتزعم مشروعًا يفترض فيه لمّ الشمل وإنهاء الانقسام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى