ليبيا

تبعات خفض قيمة الدينار الليبي.. ضغوط معيشية وتحديات اقتصادية متفاقمة

اقتصاد الاستيراد.. عندما يتحول الراتب بالدينار إلى طلب محموم على الدولار

قرار المصرف المركزي بخفض جديد لقيمة العملة الوطنية بنسبة 14.7% أثار موجة من الارتدادات في الشارع الليبي خاصة على الأسعار.
هذا القرار، الذي لم يفصله عن سابقه سوى تسعة أشهر، لم يكن مجرد رقم في النشرات الاقتصادية، بل وقع كحمل ثقيل على كاهل المواطن الذي يواجه أصلاً عواصف معيشية متلاحقة.

لقد جاء هذا الإعلان في توقيت يصارع فيه الليبيون تداعيات ضرائب سابقة فُرضت على بيع النقد الأجنبي، مما أدى إلى غلاء استشرى في الأسواق وضعف ملموس في القدرة الشرائية.

وفي أحياء العاصمة، كحي الدريبي، لم يتأخر أثر القرار؛ إذ بدأت أسعار السلع الغذائية بالقفز مجدداً، لتعمق جراح الأسر التي كانت تخصص بالفعل نحو 40% من دخلها الشهري لتأمين سلة الغذاء الأساسية في بلد يعيش على الاستيراد.

ميزانية 2025.. توازن محاسبي على الورق وهشاشة هيكلية في الواقع

وعند الغوص في كواليس هذا القرار، يتضح أن المشكلة تتجاوز حدود الأرقام المحاسبية،فرغم أن ميزانية عام 2025 بدت متوازنة ظاهرياً بإيرادات قاربت 136.87 مليار دينار، إلا أن هذا التوازن يخفي هشاشة بنيوية مرعبة؛ حيث يهيمن النفط على أكثر من 85% من الدخل، بينما تتوارى الإيرادات السيادية الأخرى مثل الضرائب والجمارك في أرقام خجولة لا تعكس حجم النشاط الاقتصادي المفترض.

معضلة المركزي.. حماية الاحتياطي النقدي على حساب جيوب المواطنين

يرى المحللون أن المصرف المركزي وجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي لتغطية الطلب الهائل الناتج عن الإنفاق العام المتضخم على الرواتب والدعم، أو اللجوء إلى خفض قيمة الدينار لفرملة هذا الطلب. إنها معضلة “اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج”، حيث تُصرف الرواتب بالدينار لتتحول فوراً إلى طلب على الدولار لتغطية احتياجات الاستيراد، في ظل غياب شبه كامل لأي إنتاج محلي يذكر.

إن هذا المشهد يضع المواطن الليبي أمام مرحلة ضبابية، حيث يخشى الكثيرون أن تكون هذه الأعباء الإضافية مجرد بداية لسلسلة من الضغوط التي قد تطال ما تبقى من أمنهم الغذائي واستقرارهم الاجتماعي، في ظل اقتصاد يرهن مستقبله لتقلبات أسعار النفط وصراعات السياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى