ليبيا على حافة اختبار اجتماعي مع انهيار العملة
القرار الاقتصادي المرتبك يراكم الغضب ويقوض ما تبقى للدولة

ليبيا ليست فقيرة… لكنها تُدار كدولة بلا ذاكرة
ليبيا تقف اليوم عند حافة اختبار اجتماعي بالغ الحساسية، ليس بسبب تراجع سعر صرف أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار فحسب، بل لأن ما يتكشف تدريجيًا هو فشل ممتد في إدارة الدولة نفسها. الأزمة الاقتصادية الراهنة ليست حادثًا طارئًا، بل نتيجة تراكم طويل لقرارات مرتجلة، ونموذج حكم لم يراجع أدواته ولا افتراضاته، رغم وضوح مؤشرات الخلل.
دولة ريعية بلا ذاكرة إصلاح
ورغم أن ليبيا بلد غني بالموارد، فإنها تُدار كما لو كانت دولة بلا ذاكرة؛ تعيد إنتاج الأخطاء ذاتها، وتستدعي اللغة نفسها عن “الإجراءات الضرورية” و“الخيارات الصعبة”، فيما تغيب الرؤية المتماسكة لتعريف المشكلة من جذورها. ما يجري اليوم يعكس عجزًا بنيويًا عن الفصل بين الاقتصاد كسياسة عامة، والاقتصاد كأداة لإدارة التوازنات السياسية المؤقتة.
تصريح عضو مجلس النواب جبريل أوحيدة بأن المعيشة “لم تعد تُطاق” لا يمكن قراءته كخطاب سياسي عابر، بل كاعتراف ضمني بأن الدولة، رغم إمكاناتها، فشلت في أداء وظيفتها الأولى: حماية الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. فحين تصبح الحياة اليومية عبئًا لا يُحتمل، تنتقل الأزمة من دفاتر الحسابات إلى المجال العام، حيث تُختبر شرعية المؤسسات نفسها.
تراجع الدينار الليبي مرآة تعكس درجة الانضباط داخل الدولة
تراجع الدينار الليبي لا يُفسَّر كأزمة نقدية مستقلة، بل كمرآة تعكس درجة الانضباط داخل الدولة. فالعملة، في نهاية المطاف، تعبير عن الثقة في القرار العام. ومع الإصرار على تعديل سعر الصرف دون معالجة منظومة الاستيراد أو توحيد السياسة المالية أو ضبط الإنفاق، يجري تعليق قيمة العملة على سلوك سوق موازٍ لا يخضع لأي مساءلة. في هذا السياق، لا يعود السوق الموازي تشوهًا طارئًا، بل يتحول إلى فاعل يفرض منطقه على الدولة، بينما تكتفي الأخيرة بردود فعل دفاعية تُضعف ما تبقى من الثقة.
أزمة شرعية أكثر مما كشف حاجة مالية
الجدل الذي أثارته مسألة فرض ضرائب جديدة كشف بدوره أزمة شرعية أكثر مما كشف حاجة مالية. فالضريبة، في الدول المستقرة، عقد ضمني بين الدولة والمجتمع، أما في ليبيا المنقسمة سياسيًا والمؤسساتيًا، فإنها تُستقبل كإجراء قسري. الاعتراض لم يكن على القيمة بقدر ما كان على السياق: قرارات تُمرَّر خارج أطر جامعة، في ظل غياب ميزانية موحدة، ما يدفع الشارع إلى توسيع دائرة الاحتجاج لتشمل المؤسسات التشريعية نفسها.
نمط إنفاق بلا سقف
في العمق، تعكس الأزمة نمط إنفاق بلا سقف، تموّل فيه الدولة فشلها عبر التوسع النقدي، ثم تنقل الكلفة إلى المواطنين عبر التضخم. اقتصاد أحادي المورد، ودعم واسع غير موجّه، وقطاع عام متضخم لا ينتج قيمة حقيقية، كلها ملامح نموذج ريعي لم يخضع لمراجعة جدية، بل جرى تضخيمه بعد 2011، ما جعل أي حديث عن الضرائب أقرب إلى إعادة توزيع للأزمة لا إلى إصلاح.
وحين ينفق المواطن أكثر من نصف دخله على الغذاء، كما تشير المؤشرات، يتحول أي اهتزاز في سعر الصرف إلى أزمة معيشية مباشرة. التضخم هنا ليس نتاج آليات سوق حرة، بل نتيجة مباشرة لغياب سياسة مالية منضبطة، ما يجعل المواطن ممولًا قسريًا لاختلالات الدولة، ويؤدي إلى تآكل الاستقرار الاجتماعي بصمت، إلى أن يبلغ نقطة الانفجار.
الفساد، في هذا المشهد، لم يعد سلسلة تجاوزات معزولة، بل بنية حاكمة تتقاطع فيها القرارات والعقود والاعتمادات. يتحول القانون من أداة ضبط إلى غطاء شكلي، تُدار تحته شبكات مصالح تعيد توزيع الريع دون مساءلة. والتلاعب بسعر الصرف يفتح بدوره مجالًا لإعادة تسعير العقود بشكل عشوائي، ما يخلق فسادًا “قانوني الشكل”، اقتصادي الجوهر، ويحوّل السياسة النقدية إلى أداة توزيع غير شفافة للثروة.
ولا يمكن فصل هذا التدهور الاقتصادي عن مخاطره الأمنية. فحين تفشل الدولة اقتصاديًا، تتراجع قدرتها على ضبط المجال العام، وتظهر فراغات تستثمرها قوى متطرفة، خاصة في سياق ليبي يتسم بانقسام مؤسسي، وطول حدود، وتعدد أجهزة أمنية.
ليبيا، في المحصلة، لا تعاني من نقص الموارد، بل من فائض اختلالات. ما يبدو اليوم أزمة عملة أو قرار مالي هو في جوهره أزمة نموذج إدارة دولة. الخيار لم يعد بين الرفاه والتقشف، بل بين إصلاح بنيوي يعيد ضبط الإنفاق، ويوحد السياسة المالية، ويعيد الاعتبار للشرعية، أو الاستمرار في إدارة الانهيار، إلى أن يتحول الغضب الصامت إلى صدام مفتوح مع الدولة نفسها.



