ليبيا

اتفاق نفطي طويل الأمد يفاقم أزمة الشرعية والسيادة الليبية

صفقة الطاقة الجديدة تعيد إنتاج الفوضى والاقتصاد الريعي في ليبيا

ليبيا 24

اتفاق نفطي في زمن الانقسام

كيف تعمّق صفقة الدبيبة إشكاليات الشرعية والاقتصاد والسيادة
في بلدٍ لم يتعافَ بعد من تداعيات الانقسام السياسي والصراع المسلح، يثير الاتفاق النفطي طويل الأمد الذي وقّعته حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية أسئلة عميقة تتجاوز الأبعاد الاقتصادية الظاهرة، لتطال جوهر الشرعية، وحدود السلطة التنفيذية، ومستقبل السيادة الوطنية، في ظل واقع أمني هش وهيمنة مليشيات مسلحة على مفاصل الدولة.

الاتفاق الذي يمتد لخمسٍ وعشرين سنة، ويشمل شركات طاقة دولية كبرى، يُقدَّم رسميًا بوصفه خطوة نحو إنعاش قطاع النفط وزيادة الإنتاج. غير أن توقيته وسياقه السياسي، وتركيبة المشهد الليبي القائم على تعدد مراكز القرار، تجعل منه ملفًا خلافيًا بامتياز، يعكس أزمة الحكم أكثر مما يعالج أزمة الاقتصاد.

حكومة منتهية الولاية وشرعية محل نزاع

يستند الجدل القانوني حول الاتفاق إلى وضع الحكومة الموقعة عليه، إذ تُعد حكومة الدبيبة، وفق قرارات مجلس النواب، حكومة منتهية الولاية، لا تملك تفويضًا دستوريًا أو سياسيًا لإبرام التزامات استراتيجية طويلة الأمد تمس الثروة السيادية للأجيال القادمة.

ويرى قانونيون أن العقود الممتدة لعقود لا تُعد من أعمال الإدارة اليومية، بل تدخل في نطاق التصرفات السيادية التي تستوجب وجود سلطة تنفيذية كاملة الشرعية، منبثقة عن توافق وطني شامل، أو حكومة منتخبة، وهو ما تفتقر إليه البلاد حاليًا.

هذا الواقع يفتح الباب أمام طعون مستقبلية في مشروعية الاتفاق، ويضع الشركات المتعاقدة أمام مخاطر قانونية جسيمة، قد تتجسد في إعادة التفاوض أو الإلغاء مع أي تغيير سياسي قادم.

تعدد مراكز القرار… دولة بلا يد واحدة

لا تزال ليبيا تعيش حالة من الانقسام المؤسسي، حيث تتنازع السلطات التنفيذية والتشريعية، وتتعدد المرجعيات، في غياب سلطة مركزية موحدة قادرة على فرض القرار وتنفيذه.

ورغم وجود مؤسسات نفطية ومالية معترف بها دوليًا، فإن قدرتها الفعلية على إدارة القطاع تبقى مقيدة بتوازنات القوة على الأرض، حيث تسيطر تشكيلات مسلحة على مناطق الإنتاج والموانئ وخطوط النقل، ما يجعل أي اتفاق نفطي رهينة لهذه التوازنات المتقلبة.

وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار طويل الأمد أشبه بمقامرة سياسية وأمنية، أكثر منه مشروعًا اقتصاديًا محسوب المخاطر.

النفط بين الدولة والمليشيات

يُعد قطاع النفط القلب النابض للاقتصاد الليبي، لكنه في الوقت ذاته ساحة صراع مفتوحة. فالعائدات الضخمة، في ظل غياب آليات شفافة للتوزيع والرقابة، تحولت إلى وقود للصراع، تُستخدم لشراء الولاءات، وتمويل شبكات النفوذ، وترسيخ سلطة الأمر الواقع.

ويرى مراقبون أن الاتفاق الجديد، بدل أن يُسهم في إصلاح هذا الخلل البنيوي، قد يعمّقه، عبر ضخ موارد إضافية في منظومة مختلة، تفتقر إلى المحاسبة، وتخضع لنفوذ السلاح.

فالحديث عن استثمارات دون معالجة مسألة المليشيات، يعني عمليًا إقرارًا ضمنيًا باستمرار اقتصاد الظل، واستدامة الدولة الهشة.

الاقتصاد الريعي… الحلقة المفرغة

تعيد الصفقة إلى الواجهة إشكالية الاقتصاد الريعي الذي تعيشه ليبيا منذ عقود، حيث يعتمد الدخل الوطني بشكل شبه كامل على النفط، دون تنويع حقيقي، أو استثمار مستدام في القطاعات الإنتاجية.

هذا النموذج، الذي لم يُنتج دولة قوية ولا تنمية متوازنة، يُعاد إنتاجه اليوم في ظل ظروف أكثر تعقيدًا، مع غياب التخطيط، وتآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات.

وفي ظل غياب نظام مالي موحد، تتحول الإيرادات النفطية إلى أداة صراع سياسي، بدل أن تكون رافعة للتنمية وإعادة الإعمار.

البعد الاجتماعي: ثروة بلا عدالة

على الصعيد الاجتماعي، لا يلمس المواطن الليبي انعكاسًا حقيقيًا لعائدات النفط على حياته اليومية. فمستويات الخدمات متدنية، والبنية التحتية متهالكة، والبطالة في ارتفاع، خاصة بين الشباب.

ويخشى كثيرون من أن تؤدي الاتفاقيات طويلة الأمد، في ظل غياب الإصلاح، إلى تعميق الفجوة بين الثروة المتحققة على الورق، والواقع المعيشي الصعب، ما قد يغذي موجات غضب اجتماعي، ويقوض الاستقرار الهش.

الأمن الهش وتهديد البنية التحتية

لا يمكن فصل مستقبل أي اتفاق نفطي عن المشهد الأمني المضطرب. فانتشار السلاح خارج إطار الدولة، وتعدد التشكيلات المسلحة، يشكلان تهديدًا دائمًا للمنشآت النفطية.

كما أن شبكات تهريب الوقود، المستفيدة من منظومة الدعم، خلقت اقتصادًا موازيًا يستنزف الموارد، ويغذي دوائر العنف، في ظل عجز السلطات عن فرض سيطرتها.

وفي ظل هذا الواقع، تبقى استدامة الإنتاج رهينة التفاهمات المؤقتة، لا سيادة القانون.

نظرة الخارج: أمن الطاقة قبل استقرار ليبيا

تنظر الدول الغربية وشركات الطاقة إلى ليبيا من زاوية أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية.

وتُعد ليبيا، بما تمتلكه من احتياطات كبيرة وتكلفة إنتاج منخفضة، هدفًا جذابًا. غير أن هذا التركيز على البعد الطاقي، بمعزل عن متطلبات الإصلاح السياسي والأمني، يحمل مخاطر استراتيجية، إذ قد يوفر استقرارًا مؤقتًا للإمدادات، لكنه لا يبني شريكًا موثوقًا على المدى الطويل.

دروس الماضي… النفط كأداة صراع

اختبرت ليبيا هذا المسار سابقًا، حيث تدفقت عائدات النفط لسنوات دون أن تُفضي إلى بناء دولة موحدة أو مؤسسات قوية. بل أصبح النفط في كثير من الأحيان أداة ابتزاز سياسي، تُغلق الموانئ ويُخفض الإنتاج لتحقيق مكاسب فئوية.

وفي ظل هذا الإرث، تبدو الرهانات على أن الاستثمار وحده سيقود إلى الاستقرار، رهانات محفوفة بالمخاطر.

الخلاصة: اتفاق بلا دولة

في المحصلة، لا يمكن فصل الاتفاق النفطي عن السياق السياسي والأمني والقانوني الذي وُلد فيه. فصفقة تُبرمها حكومة منتهية الولاية، في ظل هيمنة المليشيات، وغياب الشفافية، لا يمكن أن تشكل أساسًا لاستقرار مستدام.

ويرى معارضو حكومة الدبيبة أن الطريق الحقيقي للاستفادة من الثروة النفطية يبدأ بإنهاء حالة الانقسام، وتفكيك المليشيات، وتوحيد المؤسسات، وبناء سلطة شرعية واحدة، قادرة على إدارة الموارد باسم جميع الليبيين، لا لحساب شبكات النفوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى