ليبيا

إدريس احميد يكتب: التعليم النموذجي أولًا.. لبناء مجتمع واعٍ ودولة قوية

احميد: التعليم ليس مجرد تلقين للمعرفة بل أداة حقيقية لبناء الإنسان

إدريس احميد- ليبيا 24

إن التعليم ليس مجرد تلقين للمعرفة، بل أداة حقيقية لبناء الإنسان، وتمكينه من المشاركة الفاعلة في مجتمعه، مهما كان وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، جاءت الجلسة الحوارية التي أقامها مركز سحاب للتدريب والتطوير بمدينة سبها، في إطار دوره الإعلامي والتوعوي من خلال برامجه الإذاعية والندوات والأنشطة التدريبية المتنوعة، تحت عنوان: «التعليم كقوة تغيير من أجل بناء المجتمع»، لتفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول واقع التعليم في ليبيا ودوره في تشخيص الأزمة ومسارات الخروج منها.


تأتي هذه الجلسة في ظل واقع مرير تمرّ به العملية التربوية والتعليمية في ليبيا، واقع يفرض وقفة جادة، خاصة إذا ما عدنا بالذاكرة إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، حين كانت ليبيا – رغم قلة الإمكانيات آنذاك – رائدة في مجال التعليم، واضعةً خططًا مدروسة بدعم من الأمم المتحدة، أسهمت في تحقيق طفرة تعليمية شملت التعليم الأساسي والمتوسط والعالي منذ ستينيات القرن الماضي.


وقد استمرت هذه المسيرة إلى مطلع الثمانينيات، وكان من المفترض أن تتواصل وتتطور لتكون رافعة حقيقية للتغيير الاجتماعي، ومنعكسًا مباشرًا على برامج التنمية الثقافية والاجتماعية، بما ينسجم مع إمكانيات ليبيا وتعداد سكانها المحدود. فقد خرّج قطاع التعليم أعدادًا كبيرة من المعاهد والجامعات وبرامج الدراسات العليا، بما لبّى حاجة البلاد من المعلمين والكوادر، وأسهم في رفد سوق العمل بكفاءات مؤهلة.


غير أن هذا المسار بدأ في التعثر، حيث شهدت ليبيا تراجعًا تدريجيًا في العملية التعليمية، بدأ من دور الأسرة في التعليم الأساسي، مرورًا بالمدرسة والمعلم – الذي نكنّ له كل الاحترام والتقدير، ونؤكد في الوقت ذاته أن ليبيا لا تزال تزخر بقامات تربوية خلاقة – وصولًا إلى الإخفاق في إدارة المنظومة التعليمية ككل.


ويتمثل الخلل الأعمق في قطاع التعليم نفسه، حين تولّى مسؤولياته بعض من يفتقرون إلى الكفاءة أو المؤهل أو الخبرة، فتحولوا إلى عبء على العملية التعليمية، وأسهموا في ترسيخ سلبيات متراكمة أفرزت ما يمكن وصفه بكوارث تربوية، لا تزال آثارها حاضرة في واقعنا اليوم.


لقد أدرك الكثير من المتابعين لمسيرة الدولة الليبية، منذ وقت مبكر، أن تعثر العملية التعليمية سينعكس حتمًا على مسيرة المجتمع الليبي ككل، وهو ما بدأت ملامحه تظهر بوضوح، حتى في فترات استقرار البلاد، حين كانت الإمكانيات الهائلة متاحة، وقابلة للتسخير في النهوض بالتعليم وربطه بالمجتمع ومؤسساته، ليكون أداة للتنمية لا عبئًا عليها.
ولعل المؤلم في التجربة الليبية أن هذا التعثر لم يكن نتيجة شحّ الموارد، بل نتيجة غياب الرؤية والتخطيط، في وقت كانت فيه دول أخرى سبقتنا أو عاصرتنا في الاستقلال أقل إمكانيات، لكنها أدركت مبكرًا أن التعليم هو المدخل الحقيقي لبناء الدولة، فاستثمرت فيه وربطته بمسارات التنمية الشاملة، فتقدّمت وسبقت.


ولنا في التجربة التونسية مثال واضح، حيث جرى وضع التعليم في صدارة الأولويات الوطنية، بدءًا من بناء الأسرة، مرورًا بالمدرسة، وصولًا إلى الجامعة، وهو ما أسهم في خلق مجتمع أكثر وعيًا وتنظيمًا، وانعكس إيجابًا على مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، رغم محدودية الموارد مقارنة بليبيا.


واليوم، يعاني قطاع التعليم في مختلف مراحله وتخصصاته، شأنه شأن بقية القطاعات والمؤسسات، من الفوضى وسوء الإدارة والفساد. وهو ما يجعل تشخيص الأزمة الليبية ناقصًا ما لم نضع إهمال التربية والتعليم في مقدمة أسبابها، باعتباره أحد أخطر عوامل الانقسام المجتمعي، والارتباك السياسي، وتراجع الأمن والاستقرار، وتعطّل مسارات التنمية.


فجوهر التعليم لا يكمن في المناهج وحدها، ولا في عدد المؤسسات التعليمية، بل في دوره بوصفه عملية شاملة لصناعة الوعي، وتشكيل القيم، وإعداد الفرد ليكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعه. وعندما يتراجع هذا الدور، تتحول الأزمات التعليمية إلى أزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية، كما هو الحال في ليبيا اليوم.


ولا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون دعم حقيقي ومستمر للبحث العلمي في مراكز تطوير المعلمين، والجامعات، ومراكز الأبحاث، إلى جانب دعم العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي تراجع الإقبال عليها لصالح تخصصات فرضها منطق الدخل السريع، وهو ما يستدعي مراجعة سياسات المرتبات والمكافآت، وفي مقدمتها قطاع التربية والتعليم، بما يعيد الاعتبار للمعلم والباحث.


إننا نعتقد جازمين أن أولى أولويات بناء الدولة في ليبيا هي بناء الإنسان، وهذا البناء لا يبدأ إلا من الاهتمام الجاد بالتربية والتعليم، باعتبارهما الركيزة الأساسية لصناعة الوعي، وترسيخ الثقافة العامة، بما في ذلك الثقافة الصحية والمجتمعية، القادرة على محاربة الظواهر السلبية التي أصابت المجتمع الليبي في السنوات الأخيرة.


وأخيرًا، نؤكد أن مشكلتنا الحقيقية في ليبيا هي الإنسان؛ إنسان يحتاج إلى تربية وتعليم يؤسسان لثقافة منفتحة، ووعي مجتمعي ناضج، يواكب متطلبات الحياة، ويسهم في بناء دولة حديثة تقوم على المعرفة لا على الارتجال.


نأمل أن يكون هذا المقال، بما حمله من وقائع وأفكار ومقترحات، تشخيصًا صريحًا لواقع ليبيا دون مجاملة، ودعوة تصالحية في الوقت ذاته لمراجعة المسار، والاعتراف بالأخطاء، والالتقاء حول حقيقة واحدة: أن إنقاذ الوطن يبدأ من إنقاذ الإنسان، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإصلاح جاد وشامل للتربية والتعليم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى