السواحل الليبية تنزف ذهباً أحمر: رحلة الأسماك المهربة إلى موائد أوروبا بجواز سفر تونسي
خمسة مليارات دولار خسائر سنوية والأساطيل الأجنبية تنهب السواحل
ليبيا 24
أسماك ليبيا تغزو موائد أوروبا وكندا بجواز سفر تونسي
كنز تحت الأمواج: ساحل يمتد ألفاً وسبعمئة وسبعين كيلومتراً
على امتداد ألف وسبعمئة وسبعين كيلومتراً من الشريط الساحلي، تحتفظ ليبيا بواحد من آخر المخازن الكبرى للثروة السمكية في البحر الأبيض المتوسط. في هذه الرقعة المائية التي تلامس ثلاث مناطق مناخية بحرية مختلفة، تختلط التيارات الباردة القادمة من مضيق صقلية بالمياه الدافئة المتدفقة من الحوض الشرقي، صانعةً مصيدة بحرية فريدة تزخر بالأسماك القاعية والقشريات العملاقة والتونة زرقاء الزعنفة والجمبري الأحمر الذي يضاهي في قيمته أرقى أنواع المأكولات البحرية في أسواق العالم.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الإنتاج السنوي يتراوح بين ثلاثين ألف طن وخمسين ألف طن من الأسماك، غير أن الرقم الحقيقي، وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يبقى بعيداً عن الدفاتر الرسمية؛ فالجزء الأكبر من المحصول يقع تحت بند «غير المرصود» في إحصاءات المنظمة الدولية، مما يجعل من المياه الليبية مسرحاً لعملية استنزاف بالغة التعقيد.
الذهب الأحمر: أسطورة التونة زرقاء الزعنفة في مياه ليبيا
تعد التونة زرقاء الزعنفة جوهرة هذه الثروة، حتى أطلق عليها الخبراء وصف «الذهب الأحمر». ففي مضارب الصيد الليبية، تنمو أسماك التونة إلى أحجام قياسية تتجاوز المئتي كيلوغرام للسمكة الواحدة، متشبعة بدهون استثنائية تمنحها مذاقاً يبحث عنه كبار الطهاة في طوكيو وباريس ونيويورك.
ويصل حجم ما يُصطاد سنوياً من هذا النوع الفاخر قبالة السواحل الليبية إلى نحو تسعمئة واثنين من الأطنان، إلا أن ليبيا لا ترى من عوائدها إلا الفتات. فثمة مسار خفي يعيد تشكيل خريطة التجارة البحرية، يمر عبر دولة جارة تتولى معالجة المنتج الخام ومنحه شهادة منشأ أوروبية، قبل أن يواصل رحلته إلى أسواق إيطاليا وفرنسا وكندا وكأنه لم يولد في المياه الإقليمية الليبية.
ثغرة الشهادة: مختبرات الفحص الغائبة تصنع مسار التهريب
يكمن مفتاح المعضلة في غياب مختبرات فحص معتمدة من الاتحاد الأوروبي على الأراضي الليبية، إلى جانب عدم وجود منظومة تتبع إلكترونية للمنتجات السمكية تطابق المواصفات الدولية. هذه الفجوة الإجرائية، وليست فجوة الإنتاج، هي التي تحرم الدولة الليبية من حق الانتفاع بقيمتها المضافة. فلكي تدخل أي شحنة أسماك إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، يتعين أن تحمل شهادة صحية وبيان منشأ صادرين عن مختبر مرخص ومعترف به من قبل بروكسل.
ومع انعدام هذه البنية في ليبيا، تتحول الكميات المصطادة محلياً إلى مادة خام تباع بأبخس الأثمان في عرض البحر لسفن أجنبية وتجار وسيطين، في مشهد يعيد إنتاج علاقات التجارة الاستعمارية القديمة: المواد الأولية تخرج رخيصة، والقيمة العالية تتحقق خارج حدود الدولة المنتجة.
المسار السري: من شباك الصيد الليبية إلى مصانع تونس
ترصد تقارير ميدانية أعدها المرصد الوطني نمطاً متكرراً يكاد يكون علنياً. فالصياد الليبي يُفرغ محصوله في البحر مباشرة على متن سفينة شحن أو تاجر وسيط، غالباً ما يحمل جنسية إحدى دول الجوار. تُنقل الشحنة بعدها إلى موانئ تونسية، حيث تُدخل إلى وحدات تصنيع وتجهيز هناك، وتخضع لعمليات تنظيف وتجميد وتغليف، ثم تمنح شهادة منشأ تونسية مطابقة للمعايير الأوروبية.
بهذه اللمسة الإجرائية، يتحول السمك الليبي قانونياً إلى منتج تونسي، ويُصدر تحت العلم التونسي إلى أسواق إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وحتى كندا، جالباً لتلك الدولة الجارة العوائد التجارية والجمركية وسمعة المصدّر الموثوق، بينما لا يظهر اسم ليبيا في أي وثيقة جمركية.
جني القيمة المضافة: كيف يربح الجوار من ثروة ليبيا
بحسب تقديرات اقتصادية أولية، تتجاوز خسائر ليبيا السنوية من هذا النزيف المركب خمسة مليارات دولار. وهذا الرقم لا يشمل فقط قيمة الأسماك المصطادة بطريقة غير قانونية، بل يمتد ليشمل فرص العمل الضائعة في قطاع التجهيز والتصدير، والضرائب المهدرة، والعلامة التجارية الوطنية التي لم تولد بعد. وفي المقابل، تحقق دولة الجوار دخلاً مزدوجاً: أولاً من شراء المادة الخام بأسعار متدنية، وثانياً من تصدير المنتج النهائي بقيمته السوقية الكاملة.
وتشير تقديرات متداولة في أوساط تجارة الأسماك بالمتوسط إلى أن كل طن من التونة الليبية الذي يعبر الحدود بتكلفة زهيدة قد يحقق أرباحاً إضافية تتجاوز ثلاثين بالمئة بعد تعبئته في عبوات تحمل علامة بلد المنشأ الجديد، وهو هامش ربح يتضاعف مع الارتفاع الجنوني لأسعار التونة في مزادات آسيا.
أسطول الظل: قراصنة العصر الحديث في المنطقة الرمادية
لا تقتصر المأساة على التهريب المنظم عبر ثغرة الشهادات، بل تتضاعف بفعل أساطيل الصيد الأجنبية التي تجوب المياه الليبية بلا حسيب. وتكشف منصات مراقبة الصيد العالمية المعتمدة على الأقمار الصناعية عن نشاط مكثف لسفن جر ضخمة ترفع أعلام إيطاليا واليونان ومصر وتونس، وتدخل المنطقة الاقتصادية الخالصة الليبية والمحمية المعلنة من جانب واحد دون تصاريح قانونية.
هذه السفن تستخدم شباك الجر القاعي المدمرة التي تجرف قاع البحر وتدمر بيئة التكاثر، وتلتقط كل ما في طريقها من أسماك وكائنات بحرية. ولإخفاء هويتها، تلجأ العديد من هذه السفن إلى تغيير أعلامها مراراً وتزوير وثائق الشحن والعبور، في استراتيجية إفلات متقنة تستغل حالة الفراغ الرقابي التي تعاني منها خفر السواحل الليبية.
الدمار تحت السطح: شباك الجر القاعي واستنزاف المخزون
لفهم عمق الكارثة البيئية، يكفي الرجوع إلى البيانات التاريخية. ففي عام ألفين وعشرة، بلغ إنتاج ليبيا من الأسماك قرابة سبعة وأربعين ألف طن، وهو رقم يعكس سلامة المخزون السمكي وقتذاك. وبحلول عام ألفين وثلاثة وعشرين، انهار هذا الرقم إلى عشرين ألف طن فقط، أي بانخفاض يتجاوز سبعة وخمسين بالمئة خلال ما يزيد قليلاً على عقد من الزمن.
ولا يعزو علماء البحار هذا الانهيار إلى التغيرات المناخية وحدها، بل إلى الصيد الجائر الممنهج الذي تمارسه سفن الجر القاعي الأجنبية، والتي تدمر الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية حيث تضع الأسماك بيضها. والنتيجة حلقة مفرغة: قلة التكاثر تدفع المخزون نحو مزيد من التدهور، مما يزيد الضغط على الصيادين المحليين ويدفع بعضهم إلى بيع محصولهم في البحر بأي ثمن.
شهادة صياد: ثلاثة وعشرون اختراقاً في عام واحد قبالة الخمس
في شهادة ميدانية نقلها المرصد الوطني عن صياد ليبي من مدينة الخمس، وثق الأخير ثلاثة وعشرين عملية اختراق منفصلة لسفن أجنبية على امتداد عام واحد فقط قبالة شاطئ المدينة.
وكانت هذه السفن تعمل على مرأى من الجميع، تنشر شباكها العملاقة وتجرف الكميات دون أي اعتراض. ومثل هذه الشهادات تتكرر على طول الساحل، من زوارة غرباً إلى طبرق شرقاً، في مؤشر على أن ظاهرة الصيد غير القانوني تحولت إلى أمر واقع تتعايش معه مجتمعات الصيد المحلية بعد أن فقدت الثقة في قدرة الدولة على حماية مياهها.
طوكيو تتذوق الثمرة الليبية: مزاد المليون وسبعمئة وستة وسبعين ألف دولار للسمكة الواحدة
في تناقض صارخ، تصل التونة التي تحتجز في المياه الليبية إلى قمة هرم الأسعار العالمية. ففي مزادات طوكيو الشهيرة، بيعت أكثر من سمكة تونة مصدرها مياه المتوسط الوسطى بأسعار خيالية بلغت مليوناً وسبعمئة وستة وسبعين ألف دولار للسمكة الواحدة.
ويُعتقد أن قسماً كبيراً من هذه العينات ينحدر من المصايد الليبية، غير أن البصمة الورقية لا تعكس ذلك أبداً؛ فكل وثائق الشحن تخلو من أي إشارة إلى ليبيا، وتستبدلها ببلد منشأ آخر يحمل شهادة التصدير. وبينما تتسابق مطاعم طوكيو الفاخرة على شراء «ذهب المتوسط»، يبقى الصياد الليبي الذي خاطر بحياته في عرض البحر يتقاضى ثمناً لا يكاد يغطي تكاليف الرحلة.
منطقة حماية بلا حماية: الاعتراف الدولي المفقود
منذ عام ألفين وخمسة، أعلنت ليبيا من جانب واحد منطقة حماية صيد تمتد اثنين وستين ميلاً بحرياً داخل مياهها الإقليمية، في محاولة للحفاظ على المخزون السمكي. غير أن دولاً متوسطية رئيسية رفضت الاعتراف بهذه المنطقة، معتبرة أنها تتعارض مع مبدأ حرية الملاحة والصيد في أعالي البحار. وقد خلق هذا الموقف منطقة رمادية قانونية تستغلها السفن الأجنبية التي تجد نفسها بين مياه تدعي الدولة الليبية السيادة عليها واعتراف دولي منقوص. وطيلة السنوات الماضية، لم تبذل جهود دبلوماسية كافية لإنهاء هذا الفراغ، مما يجعل من حبر الاتفاقات ورقاً لا يحمي الثروة.
خريطة طريق مفقودة: السيادة الاقتصادية تبدأ من المختبرات
يؤكد خبراء اقتصاديات الصيد البحري أن استرداد ليبيا لمكانتها في سلسلة القيمة العالمية لا يتطلب معجزات، بل خطوات تقنية وسياسية محددة. في القلب منها تأتي المختبرات المرجعية المعتمدة من الاتحاد الأوروبي، والتي ستمنح المنتج السمكي الليبي شهادة منشأ مباشرة، وتحرره من الوسيط الإجباري. تليها منظومة تتبع إلكتروني للأرصفة والمراكب، تُركب على السفن المحلية وتراقب مسار الأسماك من لحظة اصطيادها إلى حين شحنها، بما يضمن الشفافية المطلوبة لدخول الأسواق العالمية.
أما الخطوة الثالثة فهي تفعيل خفر السواحل بأصول جوية وبحرية حديثة وقواعد اشتباك واضحة تسمح باعتراض السفن المخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية ضدها، دون حاجة إلى انتظار موافقة أي طرف خارجي.
كلفة التقاعس: ماذا تخسر ليبيا كل يوم؟
بينما يؤجل الملف في أروقة الإدارات المتعاقبة، تواصل أرقام العداد الاقتصادي الدوران. خمسة مليارات دولار سنوياً تختفي من الناتج المحلي الإجمالي، ومخزون سمكي يتقلص يوماً بعد يوم، وقطاع صيد تقليدي يُدفع نحو الاندثار، وفرص عمل تضيع على آلاف الشباب في مجالات التجهيز والتصدير والخدمات اللوجستية.
والأخطر من ذلك أن غياب الرقابة يحول السواحل الليبية إلى ساحة مفتوحة لكل من يريد نهب الموارد دون مقابل، مما ينخر مفهوم السيادة الوطنية من أساسه. فالدولة التي لا تسيطر على ثروتها الطبيعية لا تستطيع أن تدعي السيطرة الكاملة على حدودها.
السؤال المعلق: من المستفيد من إبقاء هذا الفراغ؟
يختتم المرصد الوطني تقريره بسؤال موجه إلى الجهات المختصة، تتلخص إجابته في معرفة المستفيد الحقيقي من استمرار الوضع على ما هو عليه: متى تحصل ليبيا على مختبرات فحص معتمدة دولياً؟ ومتى تفعل منظومة رقابة بحرية حقيقية تحمي الثروة من الاستنزاف اليومي؟ فإلى أن يجد هذا السؤال طريقه إلى قرار سيادي واضح، ستظل أسماكنا تسبح في المياه الليبية، لكنها لن تصل إلى موائد العالم إلا بجواز سفر تونسي، وستظل مليارات الدولارات مجرد أرقام في تقارير المراقبين لا في خزائن الدولة.
…


