الوجه المظلم لتقارب الدبيبة مع كييف: شراكة عسكرية هدّامة تفتح أبواب الجحيم على المتوسط
حكومة الدبيبة في مرمى الاتهامات: تصدير السلاح والفوضى
ليبيا 24
طائرة متفجرات أوكرانية لليبيا.. اختراق أمني يهز المتوسط
طائرة المتفجرات.. حلقة في سلسلة العبث بمصير الدولة
لم تكن الطائرة الأوكرانية التي أوقفتها سلطات ترينيداد وتوباغو، وهي في طريقها إلى ليبيا وعلى متنها متفجرات غير مصرّح بها، مجرد حادثة عابرة في أرخبيل كاريبي ناء. إنها، وفق معطيات استخباراتية متقاطعة، الحلقة الأحدث في سلسلة ممتدة من العبث المنظم بمقدرات الدولة الليبية وسيادتها، تنفذه حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية بالتواطؤ مع أطراف دولية، وفي مقدمتها كييف.
الطائرة التي هبطت في مطار بياركو للتزود بالوقود آتية من جزر البهاما، قبل أن تواصل طريقها إلى ليبيا مروراً بالرأس الأخضر، كشفت بتفاصيلها المقتضبة حجم الانفلات الذي ترعاه سلطة الأمر الواقع في طرابلس. فكيف لطائرة شحن مدنية أن تنقل عبوات ناسفة إلى بلد غارق أصلاً في فوضى السلاح والميليشيات، دون غطاء سياسي ولوجستي من أعلى هرم السلطة في غرب البلاد؟ السؤال ليس بلاغياً، بل هو مدخل إلى فهم أوسع لطبيعة التحالف الذي نسجه الدبيبة مع أوكرانيا خارج إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.
شراكة الدبيبة وكييف: تفريط منهجي في السيادة الليبية
تكشفت خلال الأشهر الماضية، وبوثائق استخباراتية وتقارير ميدانية، أبعاد مرعبة للتعاون العسكري والأمني بين حكومة الدبيبة ونظام كييف. تقرير استقصائي أعده فريق إذاعي دولي كشف، استناداً إلى مصدرين ليبيين مطلعين، وجود أكثر من مئتي ضابط وخبير عسكري أوكراني موزعين على ثلاثة مواقع استراتيجية في غرب ليبيا، وذلك بالتنسيق المباشر مع حكومة الدبيبة.
هؤلاء الضباط لا يقدمون استشارات فنية فحسب، بل يشرفون على عمليات إطلاق طائرات مسيّرة انتحارية، ويقيمون قواعد تدريب متكاملة للميليشيات الموالية لسلطة الأمر الواقع في طرابلس. المواقع الثلاثة التي حددها التقرير تكشف هندسة هذا الوجود غير المشروع: أكاديمية سلاح الجو في مدينة مصراتة، حيث يتقاسم الأوكرانيون المنشأة مع قوات تركية وإيطالية وأميركية؛ وقاعدة في مدينة الزاوية مطلة على البحر مباشرة، جرى تجهيزها بمدرجات إطلاق مسيرات بحرية وجوية؛ إضافة إلى مقر اللواء 111 في قلب العاصمة طرابلس الذي بات نقطة تنسيق عملياتي بين الضباط الأوكرانيين ووكيل وزارة الدفاع في حكومة الدبيبة.
موسكو تتهم: تصدير الإرهاب من ليبيا إلى الساحل الأفريقي
لم تتردد موسكو في توجيه اتهامات مباشرة وصريحة إلى حكومة الدبيبة. المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا وصفت، في مؤتمر صحفي نقلته وكالات الأنباء، ما يجري بأنه “تصدير للإرهاب” من ليبيا إلى دول الساحل الأفريقي برعاية مباشرة من سلطة الأمر الواقع في طرابلس.
وكشفت زاخاروفا عن معلومات خطيرة مفادها أن التعاون بين حكومة الدبيبة وأوكرانيا تجاوز حدود التدريب والتسليح، ليشمل المشاركة الفعلية في “عمليات إرهابية” داخل أراضي النيجر ودول مجاورة، وهو ما اعتبرته دليلاً دامغاً على تورط كييف وحليفتها في طرابلس بإشعال بؤر التوتر في القارة.
وأكدت موسكو أن الأسلحة الغربية التي تتدفق على أوكرانيا باتت تظهر بشكل مرعب في أيدي جماعات متطرفة تنشط في مالي والنيجر والسودان والصومال وتشاد، عبر قنوات تهريب تُدار بتسهيلات من غرب ليبيا.
من الهجوم على الناقلة الروسية إلى تهديد الملاحة الدولية
الحدث الذي هز أوساط الطاقة العالمية في مارس الماضي، حين تعرضت ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية “أركتيك ميتاغاز” لهجوم بمسيرات بحرية انتحارية، لم يعد سراً أن من خطط له ونفذه هم الخبراء الأوكرانيون المتمركزون على الساحل الليبي.
التحقيق الذي نشرته مجلة اقتصادية أميركية مرموقة أوضح أن الهجوم نُفذ من مسافة 130 ميلاً بحرياً شمال ميناء سرت الليبي، أي من نقطة تقع في نطاق المسؤولية الليبية للبحث والإنقاذ، مما يؤكد أن المياه الإقليمية الليبية تحولت إلى منصة لإدارة حرب ليست ليبية. الناقلة، التي كانت تحمل 61 ألف طن من الغاز المسال ضمن ما يُعرف بـ “أسطول الظل” الروسي المخصص للالتفاف على العقوبات، تعرضت لأضرار جسيمة واندلع فيها حريق هائل، لتتحول إلى هيكل محترق عائم في قلب البحر المتوسط.
هذا العمل العسكري، الذي وصفه مراقبون بأنه “قفزة جغرافية نوعية” في الحرب الروسية الأوكرانية، يمثل تهديداً مباشراً لسلامة الملاحة الدولية في المتوسط، ويضع ليبيا في مرمى ردود فعل عسكرية روسية محتملة.
المجلس الرئاسي: شريك في الصمت أم أسير العجز؟
في مقابل هذه التطورات الخطيرة، يقف المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي موقفاً يثير الريبة والاستغراب. فصمت المجلس عن التقارير التي تؤكد وجود قوات أجنبية مقاتلة على الأراضي الليبية لا يقل خطورة عن الفعل ذاته. حين وجهت موسكو اتهاماتها إلى حكومة الدبيبة، لم يصدر عن المجلس الرئاسي أي موقف يستنكر أو يحقق في هذه الادعاءات الخطيرة.
وحين كشف التقرير الاستقصائي عن وجود أكثر من مئتي ضابط أوكراني في غرب البلاد، التزم المجلس الرئاسي الصمت مجدداً.
هذا الصمت المريب لا يمكن تفسيره إلا في إطار واحد من اثنين: إما تواطؤ ضمني من قبل مؤسسة الرئاسة مع مخططات الدبيبة، أو عجز كامل عن ممارسة صلاحياتها الدستورية في الحفاظ على سيادة الدولة.
وكلا التفسيرين يمثل إدانة صريحة لمحمد المنفي وأعضاء مجلسه، الذين يثبتون يوماً بعد يوم أنهم جزء من الأزمة وليسوا جزءاً من الحل.
اقتصاد الحرب: كيف يمول الدبيبة مرتزقته؟
بعيداً عن الأبعاد الأمنية، يطرح هذا التحالف العسكري السري تساؤلات عميقة حول مصدر تمويله. تقارير مالية متطابقة تشير إلى أن حكومة الدبيبة تستخدم عائدات النفط الليبي، التي يفترض أن تذهب إلى خزينة الدولة الموحدة، لتمويل صفقات أسلحة وتدريب مع كييف. خبراء أوكرانيون يتقاضون أجوراً بالعملة الصعبة، وقواعد عسكرية يتم تجهيزها بملايين الدولارات، في وقت يعاني فيه المواطن الليبي من انقطاع الكهرباء ونقص السيولة وانهيار الخدمات الأساسية.
هذا النهب المنظم للثروة الوطنية لتمويل مغامرات عسكرية خارجية يشكل خيانة عظمى للشعب الليبي، ويكشف الوجه الحقيقي لحكومة فقدت شرعيتها الانتخابية منذ سنوات، وما زالت تتشبث بالسلطة عبر شراء الولاءات وتمويل الميليشيات.
الستار البريطاني: بصمات لندن في هندسة الفوضى
لم تغب لندن عن مشهد هذا التحالف الثلاثي المشبوه. التصريحات الروسية أشارت صراحة إلى دور الاستخبارات البريطانية في التوسط بين حكومة الدبيبة وكييف. ووجود مركز استخبارات بريطاني داخل أكاديمية سلاح الجو في مصراتة، حيث يتمركز الأوكرانيون، يؤكد أن لندن ليست مجرد وسيط، بل شريك كامل في هندسة هذا الوجود العسكري غير الشرعي على الأراضي الليبية.
هذا الدور البريطاني يعيد إلى الأذهان تاريخ لندن الاستعماري في تقسيم المنطقة وإشعال الفتن، لكنه هذه المرة يتخذ قناعاً جديداً: محاربة النفوذ الروسي عبر تحويل ليبيا إلى ساحة حرب بالوكالة، بغض النظر عن الثمن الذي يدفعه الليبيون من أمنهم واستقرارهم.
تفكك الدولة: ثمن يدفعه الليبيون وحدهم
بينما ينشغل الدبيبة وحلفاؤه في كييف ولندن بإدارة حربهم الخفية ضد روسيا، تواصل الدولة الليبية تفككها على نحو متسارع. المؤسسات منقسمة، والجيش مشتت، والحدود مخترقة، والميليشيات تزداد قوة وبأساً بفعل تدفق السلاح الأوكراني.
كل طائرة مسيرة تصل إلى طرابلس، وكل خبير عسكري أجنبي تطأ قدماه الأراضي الليبية، يدفع بفرص استعادة الدولة الموحدة إلى الوراء سنوات ضوئية. وفي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الأولوية لإنهاء الانقسام السياسي والذهاب إلى انتخابات حرة ونزيهة، تنخرط سلطة الأمر الواقع في مغامرات عسكرية لا علاقة لها بمصالح الليبيين.
المجتمع الدولي بين الصمت والتواطؤ
يثير صمت القوى الغربية إزاء هذا الوجود العسكري الأوكراني في ليبيا تساؤلات مشروعة حول المعايير المزدوجة التي تطبقها هذه القوى. ما يكشف زيف الخطاب الغربي حول احترام السيادة الليبية، ويؤكد أن ليبيا ليست في نظر هذه القوى سوى رقعة شطرنج تتحرك عليها قطع اللعبة الجيوسياسية دون أدنى اعتبار لإرادة الليبيين أو مصالحهم.
الدبيبة والمنفي.. وجها عملة الخراب
في المحصلة النهائية، يقف عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي وجهاً لوجه أمام محكمة التاريخ والضمير الوطني. الأول بتحويله غرب ليبيا إلى ثكنة عسكرية أوكرانية ومنصة لتصدير الفوضى إلى دول الجوار، والثاني بصمته المطبق الذي يجعله شريكاً في الجريمة بحكم التخاذل والتقصير. إن استمرار هذه السلطة المزدوجة، التي تجمع بين الفعل الإجرامي والتواطؤ الصامت، لم يعد مجرد أزمة سياسية، بل تحول إلى تهديد وجودي للدولة الليبية بأكملها.
الحادثة الأخيرة للطائرة الأوكرانية المحملة بالمتفجرات ليست سوى عرض من أعراض مرض عضال، عنوانه العبث بمقدرات الوطن ورهن سيادته لقوى أجنبية. والسؤال الذي يبقى معلقاً في سماء ليبيا الحزينة: إلى متى سيُترك هذا العبث دون حساب؟



