أنامل تصارع الزمن.. في متاهات المدينة القديمة حيث تتنفس ذاكرة ليبيا أنفاسها الأخيرة
حرفيو ليبيا يطرزون هوية قرون ويواجهون طيف الفناء الصامت
ليبيا 24
طرقات النحاس تموت وحيداً في قلب طرابلس العتيقة
في رحم المدينة العتيقة، حيث تتشابك الأزقة كشرايين ذاكرة جماعية منهكة، لا يزال صدى المطارق النحاسية يتردد كنبض قلب متهالك يرفض التوقف. إنها ليست مجرد أصوات طرق على معدن، بل هي لغة موغلة في القدم، تُروى بحروف من نار وماء، وتسكن في تفاصيل حياة توشك أن تطويها رياح العولمة واللامبالاة الرسمية. هنا، في سوق القزدالة العريق، لا يصنع الحرفيون أواني وزخارف، بل يصوغون شواهد مادية على حضارة قاومت النسيان، لكنها اليوم تقف على حافة هاوية الاندثار وسط ضجيج صمت يخنق أزقة التاريخ.
معبد النحاس الأخير.. صلوات بإيقاع المطرقة والسندان
ليست حكاية عاصم محمد مجرد سيرة فردية لرجل يحترف الطرق على النحاس، بل هي سجل حي لتحولات اجتماعية واقتصادية قاسية. تعلم الصنعة، كما يروي، قبل أن تنبت شواربه، في زمن كان فيه السوق أشبه بخلية نحل بشرية، ضجتها تمتد من الميدان إلى تخوم المدينة. آنذاك، لم تكن الأذن لتخطئ نشيد “الأسطى” وهو يضرب بمطرقته على الصفيحة المعدنية، في حوار إيقاعي أشبه بطقس مقدس. أما اليوم، فقد خفت ذاك الضجيج ليحل محله وجوم ثقيل، وتحولت دكاكين الأجداد إلى فراغات تثاءب في وجه عابر سبيل وحيد. لم يبق من الجوقة النحاسية إلا أفراد قلائل، يمسكون بدفة المركب المثقوب بإرث الأجداد، متشبثين بجمرة مهنة تحرق كفوفهم بالخسائر قبل أن تحرقها النار.
يشرح الحرفيون أن النحاس ليس مجرد فلز، بل هو كائن حي يستجيب للأنفاس. فكل إناء يخرج من تحت المطرقة يحمل بصمة صانعه، ليس فقط في دقة الزخرفة النباتية أو الهندسية، بل في الروح التي تضعها يده. من أقداح الشاي المخروطية إلى صواني “المجبوس” العملاقة وأباريق الوضوء، لا تزال هذه القطع تحتفظ بمكانتها كأثاث روحي في البيوت الليبية. غير أن عاصم وأقرانه يدركون حقيقة مرة، وهي أنهم ربما يكونون الجيل الأخير الذي يحفظ سر تطويع المعدن العصي، ذلك أن الأبناء قد هجروا ضجيج السوق بحثاً عن وظائف لا تلطخ الأيدي ولا تقوس الظهور.
النول.. حين يبكي الحرير في غياب الفضة الأصيلة
على بعد أمتار من دكان النحاس، تتجسد مأساة موازية ولكن بخيوط هذه المرة. يقف علاء محمد بن صابر أمام نوله الخشبي العتيق، ذاك الكائن الضخم الذي يبدو كآلة زمن تتنفس خشباً وغباراً. في مشغله، لا فرق بين الماضي والحاضر إلا في جودة الخيط. يتأمل علاء أسلافه الذين نسجوا الحرير الطبيعي وطرزوه بخيوط فضية صافية، مستخلصاً من الطبيعة ما يكسو الأجساد وقاراً وهيبة. كانت النقابات المهنية في الماضي أشبه بحرس ثوري لجودة الصنعة، تمنع قطعاً استخدام الفضة المغشوشة أو “البوليستر” الذي يصفه الحرفيون اليوم بأنه وباء العصر.
حين تقلبت موازين الاقتصاد العالمي، وقفزت أسعار المواد الخام، وجد النسّاجون أنفسهم أمام معضلة وجودية: إما التوقف عن العمل، أو الرضوخ لمنطق السوق واستبدال فضة “نترات الفضة” اللامعة بخيوط اصطناعية رخيصة. يسمونها هنا “الفضة البوليستر”، وهي تسمية تحمل قدراً من المرارة، إذ يعرف الجميع أنها غطاء خارجي هش يخفي فراغاً صناعياً. أما قماش “البرمبخ” المستخرج من ألياف شجرة طبيعية، والذي كان يصنع منه الرداء الرجالي التقليدي “الخرش”، فقد أصبح ضحية للكلفة الباهظة، ليحل محله نسيج آلي لا روح فيه، تنتجه ماكينات كهربائية صماء، بدلاً من أنامل تتناغم مع خيوط النول اليدوي بإيقاع يستمر ساعات بلا كلل.
غرباء في الدار.. حين يهاجر الحرف ويبقى المكان
يمثل المشهد الديموغرافي في السوق مرآة عاكسة لتحولات ليست اقتصادية فحسب، بل اجتماعية عميقة. يلاحظ الزائر اليوم أن أعداداً متزايدة من الحرفيين القادمين من تونس باتوا يسيطرون على مساحة واسعة من ورش العمل. لا يعود الأمر إلى نقص المهارة المحلية، بل إلى هجرة الحرفي الليبي لمهنته تحت وطأة ضعف العائد المادي. فالشاب الليبي، برأي العم علاء، لم يعد يرى في النول أو مطرقة النحاس مستقبلاً يؤمن له زواجاً أو بيتاً، بينما وجد الحرفي التونسي، بتقارب العادات والزخارف واختلافات طفيفة في التصميم، في السوق الليبي أرضاً خصبة لعرض صنعته.
هذه الظاهرة تخلق إشكالية تراثية مركبة، إذ قد تنتقل الحرفة فعلاً، وقد يستمر الإنتاج، لكنها تنتقل مجردة من ذاكرتها المحلية وروحها الليبية الخاصة. إن استمرار الصناعة بأيدٍ ماهرة لكن غريبة عن التفاصيل الدقيقة للموروث المحلي، قد يحول المنتج التراثي تدريجياً إلى سلعة سياحية تجارية عامة، تخلو من الخصوصية التي جعلتها جزءاً من نسيج الهوية الوطنية. يخشى العارفون أن تعيش الأسواق العتيقة، وتموت داخلها بصمة الأجداد الليبيين بصمت.
بيروقراطية تحاصر الحرف.. تراخيص عتيقة وأبواب موصدة
إذا كانت قسوة السوق وسعر الدولار يمثلان عدواً خارجياً، فإن الحرفي يواجه أيضاً عدواً داخلياً يضرب في قلب الإدارة. تكشف قصص المحلات عن مأساة صامتة تتعلق بالتراخيص. كثير من الحرفيين القدامى يحملون وثائق عمل مسجلة بأسماء آبائهم أو أجدادهم الراحلين. هؤلاء، وقد قضى بعضهم نحبه منذ عقود، تحولوا بفعل الجمود الإداري إلى عائق قانوني يحرم الأبناء من حقهم في تجديد رخص المزاولة أو الحصول على دعم رسمي. إنها حالة من التحنيط الإداري، حيث تبقى أرواح الموتى تسيطر على حقوق الأحياء.
يتحدث الحرفيون عن مطالب رفعت إلى وزارة الصناعة كصرخة في واد مقفر، مطالبين بتوفير المواد الخام عبر اعتمادات رسمية تخفف وطأة السوق الموازية، وتفعيل لجان التفتيش التي كانت تنفض أسواق الغش، وإعادة إحياء النقابات المهنية التي كانت بمثابة حكومة ظل تدير شؤون الحرفة وتحمي جودتها. بدلاً من ذلك، يجد الحرفي نفسه وحيداً، يقاوم أمام جبهات ثلاث: اقتصاد منهار، وإدارة متحجرة، وذائقة جيل جديد ألف الاستهلاك السريع.
ما بعد الأوان.. ترميم ذاكرة قبل أن تتحول إلى أطلال
في العمق، لا يتعلق الأمر بخسارة صنعة، بل بخسارة معجم بصري ولمسي كامل. إن النقش على النحاس ليس مجرد خطوط محفورة، بل هو كتابة هيروغليفية محلية تروي علاقة الإنسان الليبي بالطبيعة والصحراء والبحر. وحياكة “البرمبخ” ليست مجرد صناعة قماش، بل هي هندسة اجتماعية كاملة، إذ تحدد الأردية المنسوجة يدوياً مراسم الأفراح ووقار الأعياد وتراتبية المناسبات. وعندما تموت هذه الممارسات، لا يموت الصانع وحده، بل تموت معه طقوس كاملة، ويفقد المجتمع أحد حواسه الجمالية.
إن الحفاظ على ما تبقى من هذا التراث يتطلب أكثر من مجرد قرارات دعم مؤقتة، بل يحتاج إلى ثورة تشريعية واقتصادية تنظر إلى هذه الحرف كصناعة استراتيجية للهوية إن لم تكن صناعة اقتصادية رابحة. يحتاج الأمر إلى تبسيط الإجراءات، وإدخال هذه الحرف في برامج التعليم السياحي، وربطها بسلاسل التوريد الفندقية والفنية، وتحويل المشاغل الصغيرة إلى وجهات ثقافية تُدر دخلاً يحفظ كرامة الصانع قبل أن يحفظ صنعته.
في غضون ذلك، ومع غروب شمس كل يوم على أسواق المدينة القديمة، يغلق عاصم دكانه النحاسي، ويطوي علاء خيوط نوله، وكلاهما يلقي نظرة حذرة على المستقبل. إنهم لا يخشون على أنفسهم من الفقر، بقدر ما يخشون أن يستيقظ الجيل القادم فلا يجد في خزائن ذاكرة طرابلس سوى غبار التاريخ، وأصداء خافتة لمطارق نسجت يوماً إرثاً، وآنية نحاسية لمعت في الشمس قبل أن تأفل. الحكاية ليست حكاية مهنة ضد الزمن، بل حكاية ذاكرة أمة تقاتل كي لا تتحول إلى متحف.



