ليبيا

حصاد عامين من العبث المنظم: وثائق الرقابة ترسم خارطة انهيار الحوكمة في ليبيا

تقرير يكشف فساداً منهجياً يهدد كيان الدولة المنهارة


ليبيا 24

مليارات النفط الليبي تتبخر وسط غياب الرقابة وانهيار الخدمات

في تقرير يمثل زلزالاً رقابياً صامتاً، ويحمل في طياته أدق تفاصيل انكفاء الدولة على ذاتها، كشفت وثائق هيئة الرقابة الإدارية عن العامين 2024 و2025 عن مشهد ليبي قاتم يخترق فيه الهدر المؤسسي كل مفاصل الحياة العامة. التقرير، الذي جاء صادماً في توقيته ومضمونه، لا يكتفي بإحصاء الأرقام الفلكية للمليارات المبددة، بل يغوص في أعماق الخلل البنيوي لسلطة باتت تدار وكأنها كيان تجاري مؤقت لا يعنيه ما بعد يومه، وسط صمت مطبق من حكومة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي.

تثير هذه الوثائق، التي اطلعت عليها قناة ليبيا 24، إشكالية وجودية تتجاوز حدود التدقيق المحاسبي، لتلامس جوهر الأزمة السياسية الليبية. فبينما تتكدس مليارات العوائد النفطية في خزائن لا تعرف الحوكمة، يغرق المواطن في أزمة سيولة خانقة وخدمات منهارة.

وبأسلوب لا يخلو من قسوة الحقائق المغلّفة ببردية الدبلوماسية، تقدم هذه المعطيات دليلاً دامغاً على أن الترتيبات المؤقتة تحولت، مع الأسف، إلى إطار دائم لاستنزاف الثروة، ليس بقصد الإفساد المباشر كما يظن البعض، بل عبر غياب رؤية حوكمية متكاملة يتحمل تبعاتها بالأساس من يمسك بزمام القرار التنفيذي ويقبض على مفاتيح الإنفاق.

هشاشة رقمية: حين تتسرب المليارات من ثغرات الغياب الإلكتروني

قد يكون العجز عن بناء منظومة إلكترونية بسيطة لمنحة الزوجة والأولاد، وهي من أبسط بديهيات الحوكمة العامة في أي دولة هشة، أحد أبلغ الشواهد على عمق المأساة الإدارية. استمرار العمل الورقي في ملف بهذه الحساسية الاجتماعية، حسب ما يخلص إليه التقرير، أوجد بيئة خصبة لتضخم المستفيدين مع استحالة التحقق من الاستحقاق الحقيقي، ما يعني تسرباً صامتاً لعشرات الملايين وسط عجز تام عن المتابعة المحاسبية الدقيقة.

وعلى صعيد موازٍ، لا يقل خطورة، تقف منصة الإفراجات المالية شاهداً على فوضى البيانات التي تهدد مصداقية السجلات الوظيفية للدولة. تسجيل قصّر دون السن القانونية، وإدراج تعيينات بأثر رجعي قبل اعتمادها الرسمي، وإبقاء موظفين موقوفين عن العمل داخل المنظومة وكأنهم يمارسون مهامهم، كلها تجاوزات ترتقي إلى مستوى التفريط في هيبة السجل الحكومي.

هذا الغياب للصرامة الرقمية، في ظل حكومة يفترض أنها جاءت لرقمنة الدولة وتوحيد مؤسساتها، يطرح علامات استفهام عميقة حول الجدوى الفعلية لما يُعلن من برامج إصلاحية لا تجد طريقها إلى التطبيق.

شقوق الإسفلت وصدوع الثقة: الطريق الساحلي مرآة للحال

في ملف تنموي يُفترض أن يكون شريان الحياة وواجهة الإعمار، يكشف تقرير الرقابة الإدارية عن قصة مروعة لضياع المليارات تحت عجلات مقاولين ضعفاء وإشراف استشاري غائب.
حين تظهر تشققات وهبوطات وتشوهات في طبقات الإسفلت بعد التنفيذ مباشرة، وتُظهر القياسات الهندسية أن سماكة الطبقات المنفذة أقل من المواصفات الفنية المعتمدة، فإن ذلك لا يعكس مجرد قصور فني، بل ثقافة كاملة للاستخفاف بالمال العام.

المؤشر الأكثر إيلاماً أن نسبة الإنجاز الفني الحقيقي في بعض مشاريع الطريق الساحلي لم تتجاوز ثلاثين في المئة، رغم صرف مليارات الدنانير. الفجوة بين التدفقات المالية الخارجة والناتج الملموس على الأرض هي التعريف الكلاسيكي للهدر، لا سيما حين يصاحبها صرف سُلف مالية بالمخالفة للعقود، وإغفال المكاتب الاستشارية لدورها الرقابي على الجودة.
إن هذه “التشققات” التي رُصدت في البنى التحتية تكاد تكون استعارة بصرية للتشققات الموازية في بنية الثقة بين المواطن والسلطة التنفيذية.

دواء بـ 1.78 مليار دينار وخدمات في غرفة الإنعاش

يحتل ملف الصحة مساحة استثنائية من المأساة الليبية، وقد أتى تقرير الرقابة ليكشف بجلاء معضلة قطاع يلتهم ميزانيات فلكية دون أن يبرأ من أمراضه المزمنة.
الأرقام وحدها كفيلة برسم الصورة: صرف جهاز الإمداد الطبي بالمنطقة الغربية وحده أدوية ومستلزمات بقيمة تجاوزت 1.78 مليار دينار خلال عام واحد، استحوذت المستشفيات العامة على أكثر من 716 مليون دينار منها. في المقابل، لم يمنع هذا السيل المالي تسجيل قضايا ومخالفات مالية وإدارية تجاوزت 81 مليون دينار طالت مسؤولين ومرافق حيوية، من مستشفى الحوادث في سبها وصولاً إلى مصرف الدم في القطرون.

ثمة مفارقة موجعة هنا: ففي الوقت الذي تُضخ فيه مئات الملايين لمراكز الأورام وغسيل الكلى وفروع الإمداد الطبي، يبقى المواطن العادي عاجزاً عن الحصول على مسكن ألم في طوارئ مستشفى عام. هذا الانفصام بين حجم الإنفاق ومستوى الخدمة، الذي يوثقه التقرير بدم بارد، يوجه اتهاماً صريحاً وضمنياً لآليات الإشراف على القطاع الصحي التي تقع مباشرة تحت مسؤولية الحكومة، ويدفع للتساؤل المشروع: أين ذهبت هذه المليارات فعلاً؟

المدار للاتصالات: مركز بيانات بلا جدران في وجه العواصف السيبرانية

بعيداً عن البنى التحتية الخرسانية، ثمّة بنى رقمية لا تقل أهمية عن الطرق والمستشفيات، وتُعد أمنها القومي خط الدفاع الأول عن الدولة الحديثة. تقرير الرقابة يوجه صفعة مدوية لقطاع الاتصالات الحيوي عبر كشفه أن شركة المدار، إحدى أذرع الدولة في هذا المجال، تعاني ضعفاً مزمناً في الأمن السيبراني، مع غياب تام لخطة تعافٍ من الكوارث واستمرارية خدمات عند الهجمات أو الأعطال.

غياب المراقبة الإلكترونية المستمرة على مدار الساعة، وعدم تحديث السياسات الأمنية، مع مخالفة صريحة لتشريعات قانون المعاملات الإلكترونية وتوجيهات الهيئة الوطنية لأمن المعلومات، كلها مؤشرات تضع بيانات الدولة والمواطنين في مهب الريح. في عصر تتصاعد فيه التهديدات الرقمية عالمياً، يبدو أن ليبيا، تحت هذه الإدارة، تترك نوافذها الخلفية مشرعة، في مشهد يعكس مجدداً حالة الاستخفاف بأبسط مفاهيم السيادة المعلوماتية.

نزيف النقد الأجنبي: 31 مليار دولار في مهب الفوضى الجبائية

على جبهة المال العام الكلي، تكشف وثائق الرقابة الإدارية عن قفزة هائلة في استخدامات النقد الأجنبي لتبلغ أكثر من 31.1 مليار دولار في عام 2025، بزيادة تجاوزت أربعة مليارات عن العام السابق، قادتها الاعتمادات المستندية التي وحّدها قفزت إلى أكثر من 15.68 مليار دولار.

غير أن الصدمة الحقيقية لا تكمن في ضخامة الرقم بحد ذاته، بل في شبهات ضياع إيرادات سيادية بمئات الملايين، تمثلت في عدم تحصيل ضريبة الدمغة على هذه الاعتمادات والعقود المالية، بسبب تقاعس وصفه التقرير بالخطير من مصلحة الضرائب عن تفعيل آلية الاستقطاع من المنبع مع المصارف.

هذا الإفلات الجبائي شبه المنظم يصب في مصلحة تجمعات رأسمالية ناشئة، حيث يكشف التقرير أن مصرفين تجاريين فقط استحوذا على حصة الأسد من كعكة النقد الأجنبي. هذا التركز في الاستفادة، في ظل انسداد سياسي وغياب تشريعي رقابي، يرسم خارطة نفوذ اقتصادي موازية تتغذى على دماء الميزانية العامة، وتثير تساؤلات جدية حول مدى إفادة أصحاب القرار المباشرين، أو الدوائر المحيطة بهم، من بقاء الأوضاع على هذه الشاكلة من السيولة.

المقايضة والإنفاق الموازي: حين تتحول الميزانية إلى حبر على ورق

لعل الجوهرة السوداء في تاج الإخفاقات التي يرصدها التقرير هي البنية الهجينة للإنفاق العام، التي لم تعد تخضع لمنطق الدولة الواحدة.
ففي سنة 2024 وحدها، تجاوز إجمالي الإنفاق العام 224 مليار دينار، ذهب منها 123 ملياراً لحكومة الدبيبة، و59 ملياراً للحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد، و42 ملياراً عبر قنوات المقايضة الخلفية للمؤسسة الوطنية للنفط، والتي شكلت لوحدها قرابة 19% من إجمالي الإنفاق.

هذا التشرذم المالي، الذي تعترف به الأرقام الرسمية، يعني أن قرابة خمس موارد الدولة الليبية أنفقت عبر ترتيبات استثنائية خارج الأبواب التقليدية للميزانية، بعيداً عن رقابة البرلمان وتدقيق ديوان المحاسبة المسبق.

إن استمرار العمل بموازنات موازية، وتخصيص 10 مليارات دينار لمشروعات نفط و10 مليارات للتنمية كبنود معلقة، مع القفزة المرعبة لالتزامات المؤسسة الوطنية للنفط التي بلغت 31 مليار دينار في عامين فقط، ونمو إنفاقها بنسبة 199% دون تحقيق أي زيادة حقيقية في إنتاج النفط، يوجه إصبع الاتهام إلى سياسة مالية تقوم على منطق المضاربة لا التنمية.

التقرير يحذر بحكمة من أن هذا التوسع غير المدروس عمّق العجز الداخلي والخارجي وأخلّ بهيكل الميزانية العامة، وهي صياغة دبلوماسية لاتهام واضح بأن السياسة المالية للدولة قد أُخضعت لخدمة مراكز قوى تحتاج إلى سيولة نقدية سريعة بلا قيود.

حصيلة سياسية: سؤال الشرعية يتعزز بالأرقام

لا يمكن قراءة هذا الكم الهائل من المعطيات الرقابية بمعزل عن المشهد السياسي. فالتقرير، وهو صادر عن جهة رسمية يفترض أن تعمل تحت مظلة السلطة ذاتها، يمثل شهادة وفاة للرواية التي تقدمها حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي حول قدرتهما على إدارة المرحلة. حين تتهاوى الحوكمة الرقمية والصحية والطرقية والأمنية والجبائية في آن واحد، يتحول الحديث عن الاستقرار والتمهيد للانتخابات إلى سراب.

إن هذه الوثائق ترسم صورة دولة يمسك بتلابيبها تحالف مصالح بيروقراطي – مالي يتغذى على الفوضى والعجز المؤسسي.

وبقدر ما تخلو لغة التقرير من الاتهامات السياسية المباشرة، فإنها تقدم، أقوى لائحة اتهام ضد أركان السلطة التنفيذية منتهية الولاية. فمن يسيطر على أدوات الإنفاق ويتحكم في التعيينات ويشرف على القطاعات المنهارة، لا يمكنه التملص من المسؤولية التاريخية عن تحويل ليبيا إلى ساحة لتبخر أثمن مورد في تاريخها دون أن يترك أثراً تنموياً واحداً يذكر.

وسط هذا العبث المنظم، لم يعد السؤال المطروح على المجتمع الدولي والشركاء المحليين هو “كيف ندعم هذه الحكومة؟”، بل “كيف نوقف نزيف دولة تُستنزف من الداخل بهذا الهدوء المريع؟”. إن إنقاذ ما تبقى من كيان الدولة الليبية بات يتطلب أكثر من مجرد بيانات استنكار، بل شجاعة أخلاقية وسياسية لمواجهة حقيقة باتت الأرقام تعلنها بلا مواربة: ليبيا تُدار بأسلوب التصفية، لا البناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى