ليبيا

العبث بالقضاء: هكذا يُدفن آخر أمل لليبيا في العدالة والانتخابات

تقرير خاص: عبدالعزيز الزقم

وسط غرف مغلقة مليئة بالتوتر السياسي، أصدرت المحكمة العليا في طرابلس حكماً لم يشهد له الشعب الليبي مثيلاً منذ سنوات الاضطراب. قرار يقوض أعلى هيئة إدارية للقضاء، ويعيد رئاستها لرئيس المحكمة نفسها، في خطوة يصفها مراقبون بأنها “الضربة القاضية” لما تبقى من استقلالية القضاء، والطريق المختصر لدفن آمال الانتخابات ومحاربة الفساد.

نحن في مشهد لا يُحسد عليه. فبينما يحاول الليبيون التمسك بخيوط أمل رفيعة في استقرار بلادهم، تلوح في الأفق أزمة دستورية وقضائية تهدد بتمزيق النسيج المؤسسي الأخير المتبقي.

“كنا نحلم بقضاء مستقل، واليوم يرتدون بنا إلى زمن القبضة الحديدية”

“هذا ليس حكماً قضائياً، بل هو إعلان حرب على العدالة نفسها”، هكذا وصف المحامي أنس أبوشعالة الحكم الصادر، مضيفاً: “كيف لقاض أن يحكم في قضية يكون هو المستفيد المباشر منها؟ لقد أصبح الخصم والحَكَم شخصاً واحداً”.

أما الباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، فترى أن الخطر يتجاوز الجوانب القانونية. وتقول: “اصطفاف القاضي في نزاع سياسي يشكل جريمة معنوية في حق قدسية القضاء. السؤال الآن: كيف سيثق المواطن العادي في قاضٍ أعلن انحيازه؟ نحن أمام هدم منظومة الثقة برمتها”.

الملفات الساخنة: تزوير الجنسيات وتهديد الانتخابات

وراء هذه المعركة القانونية المعقدة، تكمن قصة أكثر إثارة: ملفات فساد كبرى قد تهدد كبار المسؤولين.

مصادر قضائية رفيعة المستوى كشفت لـ”ليبيا 24″ أن الحكم جاء رداً مباشراً على تحقيقات النائب العام الصديق الصور في ملف تزوير الجنسية الليبية والأرقام الوطنية، وهي قضية توصف بأنها “الأخطر” في تاريخ ليبيا الحديث.

“الملف لا يمس فاسدين كباراً فحسب، بل يهدد بتقويض أي عملية انتخابية مستقبلية”، يقول مصدرنا الذي طلب عدم الكشف عن هويته خشية الانتقام. “إضعاف المجلس الأعلى للقضاء يعني إضعاف النائب العام، وإغلاق هذا الملف إلى الأبد”.

المشهد ينقسم: قضاة الشرق يرفضون وقوى سياسية تستنكر

لم يكن الرد على الحكم أقل حدة. ففي بنغازي، أعلن المستشار أحمد العشيبي، رئيس محكمة شرق بنغازي، رفضه القاطع للقرار، قائلاً: “نحن نتمسك بالمجلس الأعلى للقضاء كما هو، وأي محاولة لتقسيم القضاء هي طعنة في خاصرة الوطن”.

من جانبها، أعربت كتل سياسية واسعة عن قلقها العميق. التجمع الوطني للأحزاب الليبية أدان في بيان حاد “أي محاولات لتسييس القضاء أو الزج به في الصراعات السياسية”، محذراً من تداعيات “تمس أسس دولة القانون”.

المشهد من الداخل: قضاة يتحدثون عن “أجواء مرعبة”

من داخل أروقة المحاكم، يروي قاضٍ طلب عدم ذكر اسمه لـ”ليبيا 24″ أجواءً من “الرعب والترقب”.

“نشعر أننا أمام منعطف تاريخي”، يقول القاضي بصوت منخفض. “البعض يرى أن الحكم يمثل انتصاراً لسلطة القضاء، والبعض الآخر يراه بداية النهاية. الحقيقة أننا فقدنا الحياد، وهذا ما يخيفني أكثر”.

ويضيف: “المواطن البسيط الذي يأتي إلينا طالباً حقه، كيف سنواجهه غداً ونحن مشغولون بمعاركنا الداخلية؟”.

مستقبل غامض: هل تنقسم ليبيا إلى قضاءين؟

السؤال الأكثر إلحاحاً الآن: ماذا بعد؟

الدكتور خالد حجازي، الباحث السياسي، يرى أن البلاد “تسير نحو تقسيم فعلي للقضاء”، محذراً من أن “ذلك سيكون مقدمة لتقسيم سياسي أوسع”.

أما المحامي أبوشعالة فيقترح حلاً جذرياً: “نحتاج إلى تشكيل لجنة قضائية عليا مستقلة من أقدم القضاة وأكثرهم نزاهة لفض هذا النزاع. لا يمكن أن يكون الخصم هو الحَكَم”.

نداء أخير: “أنقذوا القضاء قبل فوات الأوان”

وسط هذا المشهد الكابوسي، يوجه نشطاء ومواطنون نداءات استغاثة.

إحدى الناشطات كتبت على منصات التواصل: “القضاء هو بيتنا الأخير. إذا سقط، فأين سنلجأ؟”.

أما أحد أهالي طرابلس فيقول لـ”ليبيا 24″: “كنا نعتقد أن أسوأ أيام ليبيا قد مضت، لكن ما يحدث اليوم يذكرنا بأن الخطر الحقيقي هو عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات في أيدي المتنفذين”.

الخلاصة: معركة الوجود الأخيرة

العبث بالقضاء في ليبيا لم يعد شأناً قانونياً فقط. إنه قضية وجود تواجه أمة على حافة الهاوية. فإما أن يقف الليبيون، قضاة ومحامين ومواطنين، دفاعاً عن آخر حصن للعدالة، أو يسلموا بلادهم لعهد جديد من الفوضى المؤسسية التي قد تستمر لعقود.

الوقت يدق، والقرار الآن بين أيدي من يؤمنون بأن ليبيا تستحق أكثر من أن تكون ساحة لمعارك النفوذ والفساد. فهل ينتصر صوت العقل، أم تسقط آخر ورقة توت في غابة الفساد؟

هذا التحقيق مستمر، وسنوافيكم بأي تطورات جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى